جُلَسَاءُ الْمَلائِكَة !

الشيخ / فريد الأنصاري


"الْجُلَسَاءُ": جمع "جَلِيس"، وهو الشخص الذي يجلس إليك في مجلس واحد؛ بقصد الاجتماع على حديث ما أو فعل ما. ولذلك قال الشاعر:

وَخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمَانِ كِتَابُ!

تلك حكمة قيلت بالنسبة لأي كتاب. فما بالك إذن بمجلس يكون فيه كتاب الله – جل ثناؤه – هو جليسك! ثم ما بالك بمجلس يكون فيه " أهل الله وخاصته" هم جلساءك! ثم ما بالك به - بعد هذا وذاك – إذا كان الملائكةُ هم زواره وحُضَّاره!


لا شك أن ذلك مجلس تشد إليه الرحال، وتقطع في سبيله المسافات والأميال! لأنما هو مجلس يتضوع منه مِسْكُ الروح؛ بِمَا حضره من أهل الله وملائكته! وبِمَا تَنَـزَّلَ عليه من رحمته وبركاته..! وإنَّ قوماً من بني آدم يحضرون مجلساً تشهده الملائكةُ هم في الحقيقة (جُلَسَاءُ الْمَلائِكَةِ)! ومَنْ جَالَسَ قوما فهو منهم! وما أجمل تعبير النبي  في مَثَلٍ ضَرَبهُ لجلساء الخير وجلساء الشر، قال صلى الله عليه وسلم:

(إنما مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المِسْكِ ونافخ الكير، حاملُ المسك إما أن يُحْذِيَكَ، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة! ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابَك، وإما أن تجد ريحا خبيثة!)

متفق عليه

ولَمَجْلِسٌ يجتمع فيه الناس على القرآن خيرٌ من الدنيا وما فيها! كما سترى بحول الله. فأبشروا (جُلَساءَ الملائكةِ) بالخيرات والبركات!

ومن هنا؛ كانت مجالس القرآن هي خير أنواع مجالس الذكر، التي تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها محبوبة عند الله، مذكورة في ملئه الأعلى، تشهدها الملائكة، وتنـزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في من عنده. وليس شيءٌ أفيدَ منها في تربية الإنسان المسلم على الصلاح والفلاح. وهي من أهم الوسائل التربوية التي لا غَبَشَ فيها ولا غبار، من حيث استنادها إلى الأدلة المتواترة بالمعنى، عبر الأحاديث الوفيرة المستفيضة. نذكر منها الحديث المشهور، الذي رواه أبو هريرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والذي فيه:

(ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه!)()‌

‌رواه مسلم

وكذلك الحديث المتفق عليه، الذي رواه أبو هريرة أيضا، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فضلا عن كتاب الناس، يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذِّكْر، [وفي رواية مسلم: مجالسَ الذِّكْر] فإذا وجدوا قوما يذكرون الله [وفي رواية مسلم: فإذا وجدوا مَجْلِساً فيه ذِكْرٌ] تنادوا‌:‌ هلموا إلى حاجاتكم! فَيَحُفُّونَهُمْ بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم‌:‌ ما يقول عبادي‌?‌ فيقولون‌:‌ يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول‌:‌ هل رأوني‌?‌ فيقولون‌:‌ لا والله ما رأوك. فيقول‌:‌ كيف لو رأوني‌?‌ فيقولون‌:‌ لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا. فيقول‌:‌ فما يسألونني‌?‌ فيقولون‌:‌ يسألونك الجنة. فيقول‌:‌ وهل رأوها‌?‌ فيقولون:‌ لا والله يا رب ما رأوها. فيقول‌:‌ فكيف لو أنهم رأوها‌?‌ فيقولون‌:‌ لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة. قال‌:‌ فمم يتعوذون‌?‌ فيقولون‌:‌ من النار. فيقول الله‌:‌ هل رأوها‌?‌ فيقولون‌:‌ لا والله يا رب ما رأوها. فيقول‌:‌ فكيف لو رأوها‌?‌ فيقولون‌:‌ لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة. فيقول:‌‌ فأشهدكم أني قد غفرت لهم! فيقول ملك من الملائكة:‌ فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة‌!‌ فيقول‌:‌ هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم!)()

متفق عليه.

ولم يزل هذا المنهج هو أساس التربية لدى أصحاب رسول الله  بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، سواء في تزكية أنفسهم وتذكيرها، أو في تربية الجيل الناشئ من التابعين. فقد (كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى [يعني: الأشعري رضي الله عنه]، وهو جالس في المجلس: "يا أبا موسى، ذَكِّرْنا رَبَّنا! يقرأ عنده أبو موسى، وهو جالسٌ في المجلس، ويَتَلاحَنٌ!)(1) والتَّلاحُنُ: التغني بالقرآن والتحبير. وعن أبي رجاء العطاردي رحمه الله، قال متحدثا عن شيخه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (تعلمنا القرآن في هذا المسجد - يعني مسجد البصرة - وكنا نجلِسُ حِلَقاً، حِلَقاً، وكأنما أنظر إليه بين ثوبين أبيضين، وعنه أخذت هذه السورة: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». قال: وكانت أول سورة أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم)(2). والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثير.

فاُسْلُكْ نفسَكَ وصاحبَكَ في مجلس من "مجالس القرآن"، وسِرْ من خلاله إلى الله. فذلك منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تلقين صحابته صفات الصلاح، ومقومات الإصلاح.

تَتَبَّعْ - لبناء النفس وتربيتها - منهج القرآن كما عرضه القرآن! وهو – على الإجمال - ثلاث خطوات قابلة للتفصيل، وهي: التلاوة بمنهج التلقي، والتعلم والتعليم بمنهج التدارس، ثم التزكية بمنهج التَّدَبُّر. فذلك ما ذكره الله - سبحانه وتعالى – بإجمال، عند تحديد وظائف النبوة الثلاث. وهي المذكورة في قوله جل ثناؤه:

(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)

(آل عمران:164)

وقوله سبحانه وتعالى: (

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)

(الجمعة:2)

. وتلك هي استجابة دعوة إبراهيم عليه السلام لهذه الأمة، بما ورد في قوله تعالى:

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

(البقرة:129)

.



المراجع

  1. رواه ابن حبان في صحيحه، والدارمي في سننه، وعبد الرزاق في مصنفه.
  2.  رواه الحاكم، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).


مقالات مرتبطة بـ جُلَسَاءُ الْمَلائِكَة !