التفسير التحليلي لآية الكرسي ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )

الشيخ/ أحمد الشبكي

فلا شفاعة إلا بإذنه ورضاه فالأمر أمره والحكم حكم  الله ، والشفاعة هي طلب الخير للغير من الغير  وأصلها من الشفع ، والشفع كما ورد في لسان العرب : خلاف الوتر وهو الزوج ، تقول كان وترا فشفعته شفعا أي صيرته زوجا ، وشفع لي يشفع شفاعة وتشفع : طلب ، والشفيع : الشافع ، والجمع : شفعاء … والشفاعة : كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره .

   قال الإمام الراغب في المفردات [ والشفاعة من الشفع وهو ضـم الشىء إلى مثله ، والشفاعة والانضمام إلى آخر ناصر له وسائل عنه وأكثر ما يستعمل في انضمام ما هو أعلى مرتبة وحرمة إلى ما هو أدنى  ومنه الشفاعة في القيامة ]  [1]  .

وقال الحرالي [وحقيقة الشفاعة : وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده ] [2].

   والشفاعة قسمان :

الشفاعة في الدنيا : وهي اتخاذ الوسائط عند أصحاب الجاه والسلطان في قضاء الحوائج ورد الحقوق لأصحابها وهي جائزة ما دامت تلك الحاجة مشروعة. 

   

قال تعالى { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب  منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيئ مقيتا }

سورة النساء 85 .

وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل، أو طلبت إليه حاجة، قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء). [3]

  والشفاعة في الآخرة : وهي مختلفة اختلافا كبيرا عن الشفاعة في الدنيا كما سيتضح لنا من أنواعها .

النوع الأول : الشفاعة العظمى أو العامة وهي مخصصة بالحبيب المصطفي   .

روى البخاري في صحيحه بسنده  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر،[4] خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري،  اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات – فذكرهن أبو حيان في الحديث – نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله - ولم يذكر ذنبا - نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله  لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير، أو: كما بين مكة وبصرى).

[5]

النوع الثاني : شفاعته لنوع من العصاة من أمته قد استوجبوا دخول النار بذنوبهم فيشفع لهم في الخروج منها :

روى البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين".

[6]

وفي الصحيحين عن حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد الله يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة؟ قال: نعم".

[7]

النوع الثالث : شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه الله  من العذاب يوم القيامة ، وهذه خصوصية للرسول  خصه الله تعالى بها وذلك لأن الأصل أن الكافر لا شفاعة له   

عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ).

[8] 

النــوع الرابـــع :  شفاعة الأنبياء والملائكة والعلماء والشهداء

قال تعالى : وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى

{ النجم 26 }   

وقال تعالى {   يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون}

الأنبياء 28 .

وقال تعالى : لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا

{ مريم 87 }

     فلا شفاعة إلا بإذن من الله تعالى { ولايأذن تعالى لأحد أن يشفع إلا فيمن إرتضى ، ولايرتضي تعالى إلا توحيده واتباع رسله فمن  لا يوصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب 

روى الترمذي وغيره  : عن المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "للشّهِيدِ عندَ الله سِتّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أَوّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ويُزَوّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ) ، وَيُشَفّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ".

[9]

كما ورد في الحديث الصحيح أيضا أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم  الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي ربي منعته الطعام والشراب طول النهار فشفعني فيه ويقول القرآن أي ربي منعته  النوم طول الليل فشفعني فيه ، قال فيشفعان }

[10]

أي فتقبل شفاعتهما 

  وقوله تعالى [ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ]

استفهام إنكاري ؛ حيث زعموا أن الأصنام وغيرها من الأشياء التي عبدوها : تشفع لهم عند الله  

  واختلفوا في متعلق{ عند } فقيل متعلق بـ { يشفع } وقيل متعلق بحال محذوف تقديره { من ذا الذي يشفع } كائنا أو مستقرا { عنده } والمعنى على هذا الوجه إذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريب منه إلا بإذنه فشفاعة غيره أبعد  

والشفاعة المنفية : هي شفاعة الآلهة المزعومة التي عبدت من دون الله تعالى .

قال تعالى : {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ {43} قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {44}. } 

سورة الزمر

والشفاعة للكفار : فلا شفاعة لكافر في دخول الجنة لأن الجنة محرمة على الكافرين قال تعالى في سورة المدثر عن أحوال الكفار في الآخرة

{ فما تنفعهم شفاعة الشافعين } 48

        والشفـاعة بـــدون إذن الله تعالى ورضاه : فلا شفاعة إلا بإذنه ورضاه

قال تعالى :  وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى

{  النجم 26 }

وقال تعالى { يومئذ لاتنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا }

طه 60

 

المراجع

  1.  المفردات للراغب ص 263
  2. نظم الدرر 1/496 والحرالي هو علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم التجيبي الأندلسي  المالكي المعروف بالحرالي مفسر ،وفقيه ،وأصولي وعالم بالفلك والمنطق والطبيعيات وعلم الكلام  ولد بمراكش ونشأ بها وجال  في  البلدان وتوفي  بحماة  من  تصانيفه  مفتاح الباب  المقفل لفهم القرآن المنزل  في التفسير  ،الوافي في الفرائض ،وغيرهما  شذرات الذهب 5/189 –ومعجم  المؤلفين 7/13 
  3. رواه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة.  باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها.الحديث رقم 1365 –وقوله  (اشفعوا) توسلوا في قضاء حاجة من طلب أو سأل. (تؤجروا) يكن  لكم مثل أجر قضاء حاجته].
  4.  رد صريح على ما ذهب إليه عبد الصبور شاهين هداه الله من أن أدم ليس أبا البشر ، وشغل بهذا الرأي الشاذ العلماء والعامة وشتت أفكار الأمة بهذا الرأي السخيف ولا أملك إلا أن أقول له ولكل من سار على نهجه حسبنا الله ونعم الوكيل .
  5. رواه البخاري في صحيحه   كتاب الأنبياء.   باب: قول الله تعالى: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} /نوح: 1/. إلى آخر السورة. الحديث رقم: 3162 ورواه مسلم في صحيحه ك/ الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: 194. ورواه الترمذي في السنن ك/ صفة القيامة والرقائق باب ما جاء في الشفاعة ح 2481 وقال هذا حديث حسن صحيح ، ونَهَـِسَ اللَّحْمَ، كمنَعَ وسَمِعَ: أخَذَهُ بِمُقَدَّمِ أسْنانِهِ، ونَتَفَهُ  (دعوة) واحدة محققة الإجابة، وقد استوفيتها عندما دعوت على قومي بالهلاك فأغرقهم الله تعالى. (قتلت نفسا) وهو القبطي الذي قتله خطأ. (المهد) ما يمهد للصبي من مضجع وهو حديث الولادة. (يفتح الله علي) يلهمني. (محامده) كلمات فيها ما يليق به من الحمد. (المصراعين) جانبي الباب. (حمير) أي بلد حمير وهي صنعاء عاصمة اليمن  
  6.  رواه البخاري في صحيحه ط/ الرقاق باب صفة الجنة والنار ح 6191 ،ورواه أبو داود في السنن ك/ السنة باب في  الشفاعة ح 4740 ، ورراه ابن ماجة في السنن باب ذكر الشفاعة ح 4315  0
  7. رواه البخاري في صحيحه ك/ الرقاق باب صفة الجنة والنار ح 6190 عن جابر رضي الله عنه ،ورواه مسلم في صحيحه ك/ الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلا  ح/191
  8. رواه البخاري في صحيحه ك/فضائل الصحابة باب قصة أبي طالب ح 3670 ورواه مسلم في الإيمان، باب: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، رقم: 209. وقوله (ما أغنيت) ماذا نفعته، وأي شيء دفعته عنه. (عمك) أبي طالب. (يحوطك) يصونك ويدافع عنك. (ضحضاح) هو الموضع القريب القعر، والمعنى: أنه خفف عنه شيء من العذاب. (الدرك) طبق من أطباق جهنم، وأسفل كل شيء ذي عمق، ويقال لما انخفض درك، كما يقال لما ارتفع درج
  9. رواه الترمذي في السنن عن المقدام بن معد ى كرب ك/ فضائل الجهاد  باب في ثواب الشهيد ح 1666 وقال :حديث حسن صحيح  ، ورواه ابن ماجة في السنن –باب فضل الشهادة في سبيل الله حديث 2799 ورواه الطبراني في المعجم الكبير  20/267 بسند رجاله ثقات  
  10. الحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ك/الصيام باب في فضل الصوم ح 5081 ،وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال الطبراني رجال الصحيح وأورده السيوطي في الجامع الصغير ح/5203 وعزاه إلى أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير  ، وأشار إليه بالصحة   


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ التفسير التحليلي لآية الكرسي ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )