مـاذا أنجب لنـا الإلحـاد ... ورا كل ملحد حكـاية .. إسماعيل أحمد أدهم .. تنشئته وتربيته

دكتور / هيثم طلعت علي سرور

التاريخ الإسلامي تـاريخ طاهر شريف وبطول تـاريخ أمة الإسلام وبكثرة علمائهـا وأئمتهـا قلمـا تجد فيهـا مرتدا كافرا أو مُلحدا خبيثا يقول أبو محمد ابن حزم رحمه الله :- ( لم يلحد في تاريخ الإسلام إلا ثلاثة ) .

 

واليوم نعرض لأحد الملاحدة المعاصرين وليس لنـا غـاية إلا تبينـان مواطن الخطل ومعاطن الخلل في فكره ومصادر ثقافته وتنشئته .... وإسماعيل أحمد أدهم هو أحد هؤلاء الشواذ في تاريخ أمتنـا وُلد بتركيـا وأعلن إلحـاده ومات بمصـر سنة 1940 ميلادية وكان ملحدا شهيرا حصل على الدكتوراة في الرياضيات من موسكو وصنف كتبا كثيرة منهـا لماذا أنـا ملحد ومن مصادر التاريخ الإسلامي وحياة محمد ونشـأة الإسلام .

ومن أشهر مصنفاته تداولا رسالته لماذا أنا ملحد وقد رد على رسالته هذه الدكتور أحمد زكي أبو شادي برسالة عنوانها لماذا أنا مؤمن وكذلك رد عليها محمد فريد وجدي بمقالة عنوانها لماذا هو ملحد ..!!

ولكن دعونـا ننظر لماذا هو ملحد ؟ يقول إسماعيل أحمد أدهم :- (فقد كان أبي من المتعصبين للإسلام والمسلمين ، وأمي مسيحية بروتستانتية ذات ميل لحُرية الفكر والتفكير، ولا عجب في ذلك فقد كانت كريمة البروفيسور وانتهوف الشهير. (1) ) ويقول :- (عِشت أيام طفولتي حتى أواخر الحرب العظمى مع شقيقتي في الأستانة ، وكانتا تُلقناني في تعاليم المسيحية وتسيران بي كل يوم أحد الى الكنيسة (2)  .)

وهنا خلل لا يخفى ... وإشكالية واضحة أصابت عقله إذ كيف يجتمع في عقل طفل إيمان بالله الواحد الأحد وإيمان بأقانيم ثلاثة وتثليث وتجسيد . ويبدو أن صاحبنا كان سعيدا بهذا الخلل الفكري فأراد أن يضيف لخلله خللا آخر أشد عمقا وأكثر تأثيرا على عقيدته وفكره المستقبلي يقول إسماعيل أدهم :- (وفي هذه الفترة قرأت لداروين أصل الأنواع وأصل الإنسان وخرجت من قرائتهما مؤمنا بالتطور. وقرأت مباحث هكسلي وهيكل والسر ليل وبيجهوت .. وانكببت أقرأ في هذه الفترة لديكارت وهوبس وهيوم وكانت ، وأنا لم أتجاوز الثالثة عشرة من سنى حياتي . ولكني لم أكن أفهم كل ما أقرأه لهم . وخرجت من هذه الفترة نابذا نظرية الإرادة الحرة ، وكان لسبينوزا وأرنست هيكل الأثر الأكبر في ذلك (3)  .)

كتاب أصل الأنواع الذي قرأه صاحبنا يقول عنه جوزيف ستالين الملحد الشهير رئيس روسيــا :- ( لقد كنت أنوي أن أصير قسيسا إلى أن قرأت كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين فأعلنت إلحادي وتركت الكنيسة .) ويقول ماو تسي تونج رئيس الصين كلامـا قريبا من ذلك

 

إن كتاب أصل الأنواع الذي يقول بخديعة التطور الكبرى كان له مفعول السحر في القرن التاسع عشر يقول العالم السويدي Soren Lovtrup :- ( يوماً ما ستوصف الأسطورة الداروينية بأنها أكبر خدعة في تاريخ العلم(4)  .)

أما هكسلي الذي يذكره صاحبنا فهو توماس هكسلي جرو داروين كما كان يُحب أن يُلقب .. هذا المُشرِح أعلن فجأة أنه لاأدري وانضم لحلف داروين أما هيكل الذي يذكره صاحبنا فهو أرنست هيكل أشهر نصاب في تاريخ العلم وهو العالم التطوري الشهير الذي قام بتزييف صور الأجنة ليؤيد الداروينية لكنه اعترف بذلك فيما بعد وقال :- ( كان لا بد ان أقف في وقف المُدان و المُعاب عليه بعد أن اعترفت بما قمت به من تزييف و تشويه للحقيقة. إلا ان عزائي الوحيد في هذا الامر هو ان هناك مئات من الاصدقاء ممن يوثق فيهم من المراقبين علماء الاحياء المشهورين قد وقفوا بجانبي و شاركونى رأيى هذا ليس هذا فحسب بل و ارتكبوا تزييفاً يعادل ما ارتكبته انا بما نشروه في كتب علم الاحياء التي ألَّفوها و في رسائلهم و مجلاتهم العلمية و التي حوت معلومات غير مؤكدة قاموا بإعادة تنظيمها من جديد(5)  .)

وقرأ صاحبنا لهوبس وهيوم والسير ليل والثلاثة يُمثلون لعصر النهضة بأوربـا ومرحلة اهتزاز الثوابت والحتمية المادية الهوبزية التفكيكية والتي طبقها صاحبنـا تطبيقا عمليـا في آخر حياته كما سنرى  هكذا عاش صاحبنا ينهل من المرضى والشكاكين حتى مرض مثلهم واعتل قلبه مثلهم قال الذهبي رحمه الله فى ترجمة ابن الراوندي  :- ( أن ابن الراوندي كان يلازم الرافضه والملاحده فإذا عوتب قال : إنما أريد أن أعرف أقوالهم إلى أن صار ملحدا وحط على الدين والمله. ) الخير والشر في باطن الإنسان جنبا إلى جنب ولا توجد تدريبـات أو قوانين ولا تأثيرات خارجية يمكن بها إصلاح الإنسان لكن عندمـا يُغرق الإنسان نفسه في بحار الشك والشكاكين ومواثبة كتب الفلاسفة من غير ما حصيلة علمية أو عقائدية تحصنه يحدث داخل النفس الإنسانية ومن دون سابق تمهيد اتخاذ قرار جواني لصالح الشر على حساب الخير لصالح الشك على حساب اليقين فكما يقول أحد الأحبة في إحدى محاوراته :- ( إن الآلية العقلية لأنتاج الشك أسهل بكثير من آليات إنتاج اليقين.) والشك يغلب على الحدث وقليل العلم بينما اليقين يحتاج صاحبه إلى إعمال العقل ليغالب الشك لأنه إذا لم يفكر فإن بذرة الشك تبقى وتستمر.. فإنتاج الشك أسهل وايسر على عقل الحدث من انتاج اليقين وهذا ما حدث مع صاحبنا حتى سقط في هاوية الإلحـاد نسـأل الله السلامة . والآن لننظر إلى مدى مصداقية وانصاف صاحبنا في البحث يقول اسماعيل ادهم :- ( ولكن ما معنى الصدفة والتصادف ؟ يقول هنري بوانكاريه في أول الباب الرابع من كتابه :“Science et Methode”في صدد كلامه عن الصدفة والتصادف :" إن الصدفة تخفي جهلنا بالأسباب ، والركون للمصادفة اعتراف بالقصور عن تعرف هذه الأسباب " .) إنه كلام هاديء محترم يقتبسه صاحبنا والآن لنقرأ رد صاحبنا على هذا الكلام يقول في خاتمة رسالته لماذا أنا ملحد ردا على هذا الاقتباس:- ( أما أنا شخصيا فلا أجد هذه الصعوبة إلا شكلية ، والزمن وحده قادر على إزالتها ، ومن هنا لا أجد بدا من الثبات على عقيدتي العلمية والدعوة إلى نظريتي القائمة على قانون الصدفة الشامل الذي يعتبر في الوقت نفسه أكبر ضربة للذين يؤمنون بوجود الله.)

صراحة هذا رد مُدهش فأين هي حججك العلمية .... يا إسماعيل أدهم ثم ما هذا المستقبل الذي تُعلق عليه كفرك ؟ نعود لصاحبنـا وقد تحولت الآن فكرة الإلحـاد في ذهنه إلى عقيدة ومذهب يدافع عنهمـا يقول صاحبنا :- (في الأستانة درست الرياضيات وبقيت كذلك ثلاث سنوات وفي هذه الفترة أسست (جماعة نشر الإلحاد) بتركيا وكانت لنا مطبوعات صغيرة  (6)  .) وبعد أن عاد لمصر كان يعاني من نفس الداء وبدأ يجمع الأموال ويعلن عن عنوان منزله في كتبه ( شارع موشطي باشا رقم 23 اسكندرية (7) .) لقد صـار الإلحـاد داءا يسري في جسده كله حتى ملأ جوانحه فقرر التخلص من حياته ..!! نهاية ملحد :- وبعد أن ذاق اسماعيل أدهم طعم الإلحـاد ودخل هذا العالم المرعب المخيف تظـاهر أنه سعيد وأنه مستمتع بإلحاده وبحياته وقال :- ( فأنا ملحد ونفسي ساكنة لهذا الإلحاد ومرتاحة إليه ، فأنا لا أفترق من هذه الناحية عن المؤمن المتصوف في إيمانه (8) )

وتقريبا كل ملحد يقول لك ذلك فهو سعيد والدنيا لونها بمبي وهذا في الظاهر بينما هؤلاء يعانون سقما شديدا وهلعا رهيبا وقلقا عجيبا ولم تظهر الفلسفات العبثية والتشاؤمية السارترية إلا من تحت رؤوس الملاحدة ولذلك لم يكن غريبـا على صاحبنا الذي يقول أنه سعيد ومبتهج أن ينتحـر.

نعم لقد قرر اسماعيل أدهم أن ينتحر ففي مساء الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1940م وُجدت جثة إسماعيل أدهم طافية على مياه البحر المتوسط وقد عثر البوليس في معطفه على كتاب منه إلى رئيس النيابة يخبره بأنه انتحر لزهده في الحياة وكراهيته لها، وأنه يوصي بعدم دفن جثته في مقبرة المسلمين ويطلب إحراقها!! نعم لقد انتحر صاحبنا ابن التسعة والعشرين ربيعا وهو في ريعان الشباب وامتلاء الطاقة والأمل .. لقد قتله الإلحـاد

إسماعيل أدهم الحاصل على الدكتوراه في الرياضيات من موسكو.. المتقن لست لغات .. الذكي الألمعي كما يقول أحمد حسن الزيات ماذا قدم هذا الألمعي لأبنـاء جيله ؟ هل قدم كتابا واحدا يخدم به أمته في الرياضيات هل وضع مصنفا لترجمة علمية عن الكتب الغربية ؟ لم يضع إلا ما تضعه البعير من السقم .... لم يضع إلا كتابات تهجم على أمة الإسلام لقد باع قضية أمته وصار كأمثاله عبئا على أمتنا وعلى نهضتنـا يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله باكيا حال المثقفين الذين خانوا الأمانة المناطة بأعناقهم :- ( إن هؤلاء الشباب الذين نُرسلهم للغرب ليكملوا نقصنا في العلوم التجريبية فإذا الذاهب إلى موسكو يعود بفكر ماركسي .. والذاهب إلى واشنطن يعود بفكر إنحلالي تبشيري .. والعلم النافع القليل الذي حصل عليه هؤلاء سرعان ما يتبخر .. ويبقى السُم .. إن المرء إذا وهى دينه يُقاد من بطنه وفرجه أكثر مما يُقاد من عقله وضميره وتلك حالة مبعوثين كثيرين .... إننا نُحـــارَب من أبناء من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ..... لقد رأيتُ أشخاصا من هؤلاء يدَّعون الإلحاد ويكفرون بالأديان وظننت أنهم قد قضوا دهرا بين الأديان ينقبون غورها ويبحثون مناهجها واستدلالاتها فإذا هم أحداث لا يعرفون من الدين إلا إسمه ولا يعرفون من الشريعة إلا رسمها ...ماذا تبقى لهؤلاء بعد أن تركوا الإسلام ؟؟؟ إن وِطابهم خالٍ وتاريخهم صفر .)

 


المراجع

  1. لماذا أنا ملحد ص2
  2. المصدر السابق
  3. المصدر السابق
  4.  Soren Lovtrup , Darwinism: The Refutation of A Myth
  5. Francis Hitching, The Neck of the Giraffe: Where Darwin Went
  6.  لماذا أنا ملحد
  7. من مصادر التاريخ الإسلامي لإسماعيل أدهم ص50 
  8.  لماذا أنا ملحد

 

مقالات مرتبطة بـ مـاذا أنجب لنـا الإلحـاد ... ورا كل ملحد حكـاية .. إسماعيل أحمد أدهم .. تنشئته وتربيته