حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه

فريق عمل الموقع

 

قالوا: وأيضاً فإن حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه.

قالوا: وكيف يصح الإيثار ممن لا تنازعه نفسه وطبعه إلى غير المحبوب.

قالوا: وليس العجب من قلب خال عن الشهوات والإِرادات قد ماتت دواعى طبعه وشهوته إذا عكف على محبوبه ومعبوده واطمأن إليه واجتمعت همته، [عليه] وإِنما العجب من قلب قد ابتلى [بما ابتلى] به من الهوى والشهوة ودواعى الطبيعة مع قوة سلطانها وغلبتها وضعفه وكثرة الجيوش التى تغير على قلبه كل وقت إذا آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعى طبعه، فهو هارب إلى ربه من بين تلك الجيوش، وعاكف عليه فى تلك الزعازع والأَهوية التى تغشى على الأسماع والأبصار والأفئدة يتحمل منها لأجل محبوبه ما لا تتحمله الجبال الراسيات.

 

قالوا: وأيضاً فنهى النفس عن الهوى عبودية خاصة لها تأْثير خاص، وإنما يحصل إذا كان ثم ما ينهى عنه النفس.

 

قالوا: وأيضاً فالهوى عدو الإنسان، فإذا قهر عدوه وصار تحت قبضته وسلطانه كان أَقوى وأكمل ممن لا عدو له يقهره.

 

قالوا: ولهذا كان حالُ النبى صلى الله عليه وسلم فى قهره قرينه حتى انقاد وأَسلم له فلم يكن يأْمره إلا بخير أكملَ من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفر منه وكان إذا سلك فجا سلك غير فجه.

 

وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفر منه، ومع هذا قد تفلت على النبى صلى الله عليه وسلم وتعرض له وهو فى الصلاة وأَراد أن يقطع عليه الصلاة؟ ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى.

 

والجواب ما ذكرناه: أَن شيطان عمر كان يفر منه فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه، وأَما الشيطان الذى تعرض للنبى صلى الله عليه وسلم فقد أخذه وأسره وجعله فى قبضته كالأَسير، وأَين من يهرب منه عدوه فلا يظفر به إلى من يظفر بعدوه فيجعله فى أَسره وتحت يده وقبضته، فهذا ونحوه مما احتج به أَرباب هذا القول.

 

 

واحتج أَرباب القول الثانى- وهم الذين رجحوا من لا منازعة فى طباعه ولا هوى له يغالبه- بأَن قالوا: كيف تستوى النفس المطمئنة إلى ربها العاكفة على حبه التى لا منازعة فيها أصلاً ولا داعية تدعوها إلى الإعراض عنه، والنفس المشغولة بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها؟ قالوا: وأيضاً ففى الزمن الذى يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل من سيره وفاز بقرب فات صاحب المحاربة والمنازعة.

 

 

قالوا: وهذا كما لو كان رجلان مسافرين فى طريق فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره، والآخر سائر لم يعرض له قاطع، بل هو على جادة سيره، فإِن هذا يقطع من المسافة أَكثر مما يقطع الأَول ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه. قالوا: وأيضاً فإن للقلب قوة يسير  بها، فإذا صرف تلك القوة فى دفع العوارض والدواعى القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفعها عن السير فى زمن المدافعة. قالوا: ولأَن المقصود بالقصد الأَول إنما هو السير إلى الله، والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره فالاشتغال بالمقصود لنفسه أَولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة، قالوا: وأيضاً فالعوارض المانعة للقلب من سيره هى من باب المرض، واجتماع القلب على الله وطمأْنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض هو صحته وحياته ونعيمه، فكيف يكون القلب الذى [يعرض له مرض وهو مشغول بدوائه أفضل من القلب الصحيح] لا داءَ به ولا علة؟

 

 

قالوا: وأيضاً، فهذه الدواعى والميول والإرادات التى فى القلب تقتضى جذبه وتعويقه عن وجه سيره، وما فيه من داعى المحبة والإِيمان يقتضى جذبه عن طريقها فتتعارض الجواذب، فإِن لم توقفه عوقته ولا بد، فأَين السير بلا معوق من السير مع المعوق؟ قالوا: وأَيضاً فالذى يسير العبد بإِذن ربه إِنما هو همته، والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات، كالطائر إذا علا وارتفع فى الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام، وإِنما تدرك هذه الأشياءُ للطائر إذا لم يكن عالياً، فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح والكواسر، وإِنما تلحق الآفات والدواعى والإِرادات الهمة النازلة، فأَما إِذا علت فلا تلحقها الآفات.

 

 

قالوا: وأَيضاً فالحس والوجود شاهد بأَن قلب المحب متى خلا من غير المحبوب واجتمعت شئونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره كان أَكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباءِ المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم والتوارى عنهم.

 

 

قالوا: فكم بين محب يجتاز على الرقباءِ فيطرقون من هيبته وخشيته ولا يرفع أحد منهم رأْسه إليه، وبين محب إِذا اجتاز بالرقباءِ هاشوا عليه كالزنابير أَو كالكلاب فاشتغل بدفعهم وحرابهم أو جد فى الهرب منهم، فكيف يسوى هذا بهذا، أم كيف يفضل عليه مع هذا التباين؟

مقالات مرتبطة بـ حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه