تفــاؤل الدين ... تشــاؤم الإلحـاد

دكتور / هيثم طلعت علي سرور

 

بعد غـزو الإلحـاد للثقافة الأوربيـة في خمسينات القرن الماضي وقف بول فاليري المؤرخ والأديب المعروف وقال :- ( هُنـاك أمل يحتضر في ثقافـة أوربـا يفقد الشكاكون شكهم ثم يجدونه ثم يفقدونه مرة أُخرى لقد نسوا كيف يستخدمون مهاراتهم العقلية .. صار الفكـر الأوربي بأسره يعاني من صبيانية فكرية تطغى على الشباب والأفلام والسينما والثقافة بأسـرها .. تسليات مُبتذله غياب روح الفُكـاهة الأصيلة الحاجة إلى أحداث مُثيرة ومشاعر قوية الميل إلى الشعارات الرنـانة والإستعراضات الجماهيرية والتعبير عن الحب والكراهية باُسـلوب مُبالغ فيه اللوم والمدح المُبـالغ فيهما وغير ذلك من العواطف الجماهيرية القاسية التي غلفت ثقافـة أوربـا بأسرها .)

إن الرفاهيـة هي الصورة البرانيـة والعبثيـة هي الصورة الجوانيـة .. كلمـا ازداد التمسك بالإلحـاد كلما تعاظم الشعور باليأس والخـواء .

 

هناك ملاحظة تقول أن التشاؤم ملازم للمناطق التي تم فيها القضـاء على الأُميـة .. إن مشاعر الإستيـاء والقنوط مجهولة تماما في المجتمع الفقير وتعليل هذه الظاهرة أن المدينـة التي يموت فيها الإنسان بالتدريج ويحيـا اللاإنسان حيث المصنع والآلة يسهل غـزو الإلحـاد وإذا دخل الإلحـاد سيمتليء المكان سريعـا بكل صور القنوت واليأس والتشاؤم والخوف ..!! بينما بعيدا عن تدجين المدينة يبدأ الإنسان يشعر بالشخصية والفردية والإستقلالية يشعر أنه إنسان وساعتها يصعب جدا غـزو الإلحـاد ..!!

 

بينما يعيش العلمـاء لحظـات زهو الإنتصارات المُتتالية في المُدن الكبرى يعيش المُفكرون والفلاسفة في خوف وقلق وتشاؤم على مستقبل الإنسان ومصيره .. يتدخل العلم عُنـوة ببيانات قويـة رنانة عن توافر السلع وانخفاض معدلات البطالة وزيادة الإنتاج بينما يشير المُفكرون بطرف خفي إلى ضيـاع الإنسان وخواءه النفسي ..!!

يكتشف المُفكرون دائما إنسان يائس عنيف مُحـاط بكل سُبـل الراحة

إخفاق الإلحـاد البين في حل مشكلةالسعادة الإنسانية وفشله في تحقيق الفردوس الإنساني على الأرض مع أنه استخدم أقوى وسائل العلم والقوة والثروة وإذا تم الاعتراف بذلك فلابد أن تكون فكرة الدين عن أصل الإنسان هي الفكرة الصحيحة لأنه ليس هناك خيـار ثالث خاصة وان الدين يزعم دائمـا أنه يملك مفتاح السعادة ..!!

 

فلسفة سارتر وغم المُفكرين الغربيين وضيق الملاحدة والشعور المُلازم باليأس كل هذا سببه أن الخير والخلاص موجودين ولكن هؤلاء جميـعا فقدوا ذلك الطريق ولو لم يكن هناك طريق للخير والخلاص والفردوس لما كان سيتواجد داخل النفس الإنسانية كل هذا التشاؤم لكن استقر في وعينـا أن هناك فردوس طُردنا منه يومـا ما ونسعى بكل جهدنا للوصول إليـه وخاب وخسر من ضَل هذا الطريق فهو لن يحقق الفردوس لا في دنيـاه ولا آخرته ..!!

 


 سارتر .. الهيبز .. الخنافس ..!!!

 

زار سارتر مصر في نهاية السبعينات وألقى محاضرة بجامعة القاهرة وكانت ترافقه عشيقته سيمون دي بوفوار وكان ساخرا حانقا تشاؤميا لأبعد حد لسان حاله يقول في صمت :- ( ما فائدة العمل في هذا الجسد الفاني المتحلل ) .. ( كل هَم الإنسان إلى بطنه يذهب ) ... ( كل الأنهـار تذهب إلى البحر والبحر ليس بملآن .)

يُمثل سارتر الإستجابة الطبيعية للعجز عن فهم هدف الحياة .. فهي عَدَمي يمشي على الأرض .. لم يكن الهيبز أو البيتلز بأمريكا أو البَانك بألمانيا أو ثورة الشباب سنة 1968 بفرنسا أو كل أشكال الحركات العبثية المُحتجه التي ظهرت في العقود الأخيرة إلا إمتدادا لتشاؤمية سارتر وعَدمية ألبير كامو .. إن إخفاق الحضارة البين في سعيها لحل مشكلة السعادة الإنسانية كان الصدمة الكبيرة التي أقضت مضاجع الموثرين .. فقد كانت العدمية والعبثية ثمرة أكثر البلاد تقدما

يقول بلانشارد الطبيب النفسي الشهير :- ( يحتاج معظم الشباب الغربي إلى الهرب من أنفسهم ليجربوا انواعا من الإثارة الرخيصة .)

لا يوجد إلى اليوم تفسير إلحادي واحد للقاعدة التي تقول أن عدد حالات الإنتحار والأمراض النفسية يتناسب تناسبا طرديا مع مستوى الحضارة ... أليس غريبا بل ومُدهشا أن نِصف الأَسِرة بالمستشفيات بأمريكا يشغلها المصابون بالأمراض النفسية .. أليس غريبا أن أكبر نسبة من عدد الأطباء النفسيين في العالم كله توجد بهوليوود .. أليس غريبا أن تنفرد السويد بالرقم القياسي في الإنتحار والإدمان وفي نفس الوقت بالرقم القياسي في الدخل القومي .. أليس غريبا أن أكبر جامعات أوربا جامعة كمبردج بها أكبر نسبة انتحار بين الشباب تفوق عشرة مرات عدد حالات الإنتحار في السن نفسه للشباب البريطاني ..

ألم تكن هذه الإحصائيات مرعبة بالقدر الذي دعا روجر رويل مدير مركز هارفارد للبحوث إلى إنشاء لجنة خاصة في مجلس الشيوخ الامريكي للبحث في تأثير التكنولوجيا على الإنسان والمجتمع ..

لقد تبين أن أعلى مُعدل للدخل في العالم ليس عزاءا كافيا لإنسان يعلم أنه وُلد ليموت ..!!

لقد وصل العلم إلى مرحلة القنوط في مواجهة الأمراض الإجتماعية ؟؟

يتدخل العِلم عنوة ببياناته عن وفرة السلع ومعدلات الإنتاج بالجملة وعن الطاقة والأبحاث المُبشرة بينما تُشير الفنون بإنكسار وحسرة إلى الضياع الإنساني والبؤس الفكري والأخلاقي والخواء النفسي المُخيف ..

طالما أن الله غير موجود فإن الإنسان غير موجود .. هذا غاية ما اسشتعره ألبير كامو وكتبه في روايته الشهيرة المغتربون فإذا كان الله غير موجود فلا قيمة للحياة بل هي قمة العبثية ..

إن العدمية والدين يمثلان إنكارا للمادية والبحث المجتهد عن طريق خارج هذا العالم الذي أصبح فيه الإنسان غريبا إنه بحث فيما وراء القبور وإنما يكمن الفرق في أن العدمية لا تجد طريقا للخلاص بينما يذهب الدين إلى أنه وجد هذا الطريق ..

 

وهكذا لم تكن عدمية ألبير كامو وتشاؤمية سارتر وحيرة الشباب إلا إعلانا لسقوط الأمل المتوقع من الحضارة والصدمة الكبرى التي جناها الإنسان الحديث ..!!

اللغز الذي لا يعرفه الملاحدة والماديون أن السعادة والألم قيمتان لا علاقة لهما بالحسابات المادية الأرضية وكما يقول تولستوي في روايته الرائعة الحرب والسلام يقول:- ( إن العذاب الناجم عن السير حافيا لمدة أسابيع حتى تتشقق القدم وتدمي هذا الألم لا يزيد كثيرا عن الألم النابع من لبس حذاء ضيق وأنيق لسهرة ممتعة .) وكما يقول أنيس منصور أنه لا يوجد أجمل من ركعتين يصليهما المرء بالليل ..!!

 

لقد ماتت الأشيـاء الجميلة في المذهب الإلحـادي فظهرت رواية الغثيان nausea  لسارتر و سوف أبصق على قبوركم لبوريس فيان وتم تفكيك الإنسان ودخل الجميع القفص الحديدي على حد تعبير ماكس فيبر أو السجن الحديدي على حد تعبير زيميل وظهر الانسان ذو البعد الواحد عند ماركوز وتفكك الإنسـان عند ميشيل فوكو ... فمات الإنسـان وظهر النمط المادي ذو الثلاث أبعـاد عند جو واتكين .

  ---------------

المراجع للإستزادة :- كتـاب الإسلام بين الشرق والغرب .. تأليف:- علي عزت بيجوفيتش .. ترجمة :- محمد يوسف عدس .. مؤسسة بافاريـا

 

المراجع للإستزادة :- كتـاب الإسلام بين الشرق والغرب .. تأليف:- علي عزت بيجوفيتش .. ترجمة :- محمد يوسف عدس .. مؤسسة بافاريـا

حراس الحقيقة للأستاذ أنيس منصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات مرتبطة بـ تفــاؤل الدين ... تشــاؤم الإلحـاد