الماركسيـة والدين أضحوكة ماركسي مسلم

دكتور / هيثم طلعت علي سرور

 

هل توجد إمكانية للجمع بين الشيوعية والإسلام فنقول مثلا ماركسي مسلم أو شيوعي سُني أو يساري مُسلم ؟ هذا الأمر لا نملك نحن المُسلمون الإجابة عليه فإخراج الناس من مِلة الإسلام أمر بالغ الخطورة وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيْمِيَة رحمه الله:- "والذي نخْتاره أن لا نُكفِّرَ أحداً مِنْ أهلِ القِبْلَة " درء تعارض العقل والنقل 1/ 95

 

وأيضا الشيوعي المُسلم لا يملك الإجابة على هذا السؤال ..!! الوحيد الذي يُقرر الإجابة ويملكها هي الشيوعية نفسها هي المذهب ذاته ومِن مصادره المُعتمدة فحسب . وهذا الأمر شبيه الصِلة بشخص يقول أنا كاثوليكي مسلم .. فالوحيد الذي يُقرر الإجـابة هو المذهب الكاثوليكي نفسـه .. إذا كانت الكاثوليكية تقول أن المسيح هو الله فعلى المُسلم أن يختار بين الكاثوليكية والإسلام وإلا فهو كافر بالكاثوليكية كافر بالإسلام ...!! فالمعيار هو المصدر وليس دعاوى الأشخاص

والآن دعونا ننظر إلى المصدر... دعونا ننظر ماذا تقول الشيوعيه عن الشيوعي المُتدين واليساري الُسلم ..!!

في دائرة المعارف السوفيتية المجلد الأول ص46:- ( س:- هل يمكن قبول عضوية متدين في الحزب الشيوعي ؟ ج:- كلا لا يمكن ذلك فإن فلاديمير لينين مؤسس الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي كتب عام 1905 ما يلي :- نُصِّر على اعتبار الدين مسألة خاصة فيما يختص بالدولة ولكننا لا نستطيع أبدا أن نعتبر الدين مسألة خاصة بالنظر إلى حزبنا .. وتعارض الفلسفة الماركسية التي يعتنقها الشيوعيون التعاليم الدينية فليس هناك شيوعيون يؤمنون بالله ) . انتهى كلام الموسوعة

إذن لابد أن يكون الشيوعي كافرا بالأديـان وإلا فهو غير مقبول في الحزب الشيوعي ..!! وتقول الموسوعة في مكان آخر :- ( علينا أن نوضح باستمرار أن الأغلبية العظمى من الشعب السوفيتي ملحدون ).

وهذه الموسوعة مُعربة عن طريقة وكالة نوفستي للأنباء في موسكو.

وفي المادة 52 من الدستور السوفيتي الجديد سنة 1977 :- الدولة ترعى الإلحاد العلمي وتُحرم تلقين الدين مِن قِبل أي جهة. وفي القاموس السياسي السوفيتي الصادر في موسكو طبعة سنة 1967 تحت كلمة دين نجد هذا التعريف :- ( الدين فكرة وهمية نشأت في أذهان الناس مِن قوة خارجة تسيطر عليهم .) وفي نفس القاموس السياسي تحت كلمة إسلام نجد هذا التعريف :- ( الإسلام يبرر الظلم الإجتماعي ويصرف الناس عن الكفاح الثوري  .)   ويقرر ماركس في كتابه المسألة اليهودية أن :- ( رسالة الطبقة البروليتارية هي القضاء على الدين والمتدينين والداعين إليه .)   والدين في نظر ماركس يُمثل أفيون للشعوب ( وهذه العبارة ذكرها بالحرف في مقال له عن هيجل ) فالدين يغل يد الشعوب عن الثورة والتذمر فالدين أنشأته البرجوازية حتى تضمن عدم ثورة البروليتاريا -1- ...

والدين في نظر ماركس يُكرس الملكية الخاصة ويدافع عنها لذا فالدين يقف حجر عثرة في وجه الماركسية . إذن ماركس يُعلن إمـا إسلام أو ماركسية ..!! يرى ماركس أن الدين يُشكل إحدى البنى الفوقية بما في ذلك الفِكر والاجتماع والسياسة والتقاليد والقيم .. بينما يُمثل الإقتصاد البنية التحتية الوحيدة للمجتمع وكل البنى الفوقية هي إنعكاس لهذا البناء التحتي -2-  ولا توجد بنية فوقية واحدة مُستقلة وهذا يعني أن الدين عامل عارض يتم ازالته في مرحلة لاحقة تبعا للتحليلات الماركسية الشهيرة التي تمت بعد ذلك على يد المنظرين الشيوعيين فالدين نتاج لعلاقات وقوى انتاج معينة ..فالعامل الإقتصادي هو الفكرة الوحيدة التي من ورائها تتداعى النتائج المختلفة . إدخال الدين ضمن البنى الفوقية هذا يعني الإنكار الفوري للدين واعتباره مُنتج بشري . إذن التنظيرات الماركسية لا تحتمل عبارة – ماركسي مُسلم – فهذه العبارة خيانة لماركس ولكبار المُنظرين الشيوعيين .

وبالفعل بعد أن وصل الماركسيون للحُكم قاموا بإغلاق الكنائس وهدمها أو تحويلها إلى متاحف وتبعا لمجلة التايم في عددها الصادر يوم 1-1- 1956 فإن عدد الكنائس تقلص في الإتحاد السوفيتي من 46 ألف كنيسة سنة 1917 إلى 4 آلاف كنيسة سنة 1956 . وقد هدم الماركسيون كنيسة العذراء للإيبريين ووضعوا مكانها تمثال لينين قُرب الميدان الأحمر بموسكو وكُتب على قاعدة التمثال :- ( الدين أفيون الشعوب ). وفي ألبانيا تم هدم وإغلاق 2169 مسجد وكنيسة وتم تحويل كاتدرائية شكودرا الكبيرة إلى قاعة للألعاب الرياضية بعد كلمة أنور خوجة رئيس البانيا الشيوعي الشهير حين قال :- ( إن النضال ضد الفكر الديني يرتبط تماما بالنضال ضد الإمبريالية والتحريفية والكفاح من أجل الإشتراكية والشيوعية .)

إذن الكفاح ضد الدين واجب ماركسي .

وقد قامت روسيا بفرض الإلحاد على الناس بالقوة وكان الإلحاد إلزاميا والشيوعية مسألة حياة أو موت . يقول كارل ماركس :- لا شفقة على أصحاب الأديان -3- ويقول لينين مثل ذلك -4- ويُنكر جيفارا المسيحية ويقول علينا أن نتعلم كيف نقتل الطوابير من البشر بسرعة أكبر -5-

إذن مقولة ماركسي مُسلم هي قتل للماركسية في الصميم ولا يستقيم إطلاقا قول ماركسي مسلم كما لا يستقيم أن نقول كاثوليكي مسلم كما أوضحنا سابقا فإما كاثوليكية وإما إسلام ..!!

لكن لماذا يُصر الماركسيون في بلادنا العربية على توصيفهم بأنهم يساريون مُسلمون ؟؟ في بلادنا العربية الشعوب تتمسك بدينها تمسكا شديدا وهذا ما أدركه الماركسيون العرب الذين تلقوا دروسهم في موسكو فجاءت محاولتهم التكتيكية الخبيثة في مهادنة الأديان وبدأت الصحف اليسارية العربية تُحدثنا عن أن الإسلام يحمل بداخله المباديء الإشتراكية وعن اشتراكية أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهذا بداهة ليس انتصارا للإسلام بل سيكون هذا الأمر مدعاة لقبول الإشتراكية وجعلها مستساغة للنفوس في مرحلة قادمة ..!! ولكن نسي هؤلاء أن الإسلام الذي عَرِف أبو ذر الغفاري عَرِف أيضا عثمان ابن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وطلحة الذين كانوا يملكون رؤوس أموال عظيمة يديرونها عن طريق أُجراء وعمال ..!! بل وقد قرر الإسلام حِفظ الملكية الخاصة واعتبار المُتعرض لها لص أو مُحتـال والمُتعرض للملكية الخاصة يُقام عليه حد السرقة .. إذن الماركسيون في المفهوم الإسلام لصوص وخونة ..!!

لكن تجاهل الماركسيون العرب كل ذلك وبدأ هؤلاء الماركسيون العرب الذين تلقوا دروسهم في موسكو في تفسير الإسلام تفسيرا ماركسيا -6-  وتفسير الهجرة النبوية تفسيرا ماركسيا مضحكا مُتبعين في ذلك أساتذتهم في موسكو يقول الكاتب السوفيتي رايزنز أن :- ( هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة تمت نتيجة للتجانس العقائي مع جمع البروليتاريا من يهود يثرب ) وطبعا هذا ليس تفسير بل تهريج فيهود المدينة لم يكونوا بروليتاريا والإسلام بداهة اصطدم أول ما اصطدم باليهود ..!!

 

وكذلك في الدول المسيحية التي وقفت في وجه الماركسية تم الترويج وخداع الجماهير بأن المسيح اشتراكي وإمام الإشتراكية فهو فقير كادح كان يحارب الأغنياء وطبعا كل هذه دعاوى سخيفة وتدعو للحسرة أكثر مما تدعو للضحك فقد قرر الإسلام حد السرقة والحرابة لحماية الملكية الخاصة وهذا في حد ذاته إسقاط لكل دعاوى الخلط بين الماركسية والإسلام.

تقوم الماركسية على تجريم الملكية الخاصة بل قتل كل من يُعاند ذلك ( وثيقة الكولاك ) بينما الإسلام يحمي الملكية الخاصة ويضع حد السرقة والحرابة لمن يتعرض لها ... بل إن حفظ الملكية الخاصة في الإسلام هو أحد المقاصد الخمس العظمى في الشريعة ... فلا مجال البتة للربط بين الإسلام والشيوعية في أهم مسألة في الشيوعية وهي شيوع الثروات ورؤوس الأموال .

 

والإسلام ليس دين رأسمالي وليس دين إشتراكي وليس دين متوسط بينهما بل هو دين له مبادئه المُستقلة تماما ومنهجيته الخاصة به فداخل المنظومة الإسلامية توجد الملكية الخاصة وتوجد أيضا الملكية العامة - بيت المال - والإسلام لا يسحق الفرد لصالح الجماعة - الشيوعية - ولا يسحق الجماعة لصالح الفرد -الراسمالية - .

وفي الحالات الإستثنائية الشاذة كالمجاعات الشديدة مثلا فالتطبيق الإسلامي هو أن يتقاسم الجوعى ما معهم حتى لا يهلكوا جميعا وهذا أمر بديهي لا نحتاج فيه لنص حتى نقوم به بل هو مفهوم من عموم الدين فهو إجراء طواريء وليس دستورا إسلاميا في الحياة العادية -7- ... لكن أن يتم تعميمه داخل المنظومة الشيوعية ويصير هو الأصل فهذا أمر لا يمكن استيعابه إلا داخل المنظومة الحيوانية فكل الحيوانات شيوعية تعيش على مبدأ شيوع الثروات .

الحشرات أيضا تعيش على مبدأ الشيوع ..

 

أن نظرية ماركس رِدة بيولوجية رهيبة .. وخطأ الفكر المادي أنه تصور أن ثلاث وجبات دسمة ومصروف يد وكساء ودواء يمكن أن تكون عزاءا كافيا لإنسان يعلم أنه وُلد ليموت -7- .

 

فالمادية الماركسية تؤكد دائما على ما هو مشترك بين الحيوان والإنسان بينما يؤكد الدين على ما يفرق بينهما وفي هذه اللحظة بالذات يحدث الإنشقاق بين الماركسية والدين .

فالإنسان ربما يختار الجوع فيصوم ربما يختار الموت دفاعا عن قضية سامية فيموت فالإنسان ليس مُفصلا على طراز ماركس وهذا هو الفرق بين المادية والدين .

 

وخلاصة ما سبق فإن مَن أراد أن يخلط بين الإلحاد والدين بين الماركسية والإسلام ويريد أن يخرج منهما بمذهب جديد فليُطلق على هذا المذهب الجديد اسما آخر غير الماركسية وغير الإسلام .

 

  

---------------

المراجع للإستزادة :- كتابات دكتور طارق حجي رئيس المنظمة العالمية للشباب المناهض للشيوعية WACL  الشيوعية والأديان دار نهضة مصر .. طبعا هذا قبل أن يتحول طارق حجي ويصير لبيراليا متطرفا.

 

1- الدين لم تُنشئه البرجوازية لضمان عدم ثورة البروليتاريا وأقوى البراهين على خطأ هذا التفسير أن الإسلام لم يكن قط إفراز المجتمع الطبقي في قريش ولم يكن مخدِرا للفقراء بل حمل في طياته قِيم مُستقلة خاصة به .. طارق حجي والدين ليس أفيونا للشعوب كما يدعي ماركس فالدين لا يُبرر الظلم الإجتماعي ولم تُنشئه البرجوازيه فما مِن نبي إلا ولقي مقاومة من الأسياد والأقوياء قبل غيرهم بل والقرآن نفسه يذكر أن المُترفون هم أول المكذبين للرسل والمقاومين لدعوتهم ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ )سبأ34 وكانت يد أول سارق تُقطع هي يد المخزومية التي هي من أكبر بيوتات العرب فالإسلام لم ينشـأ بإيعاز من البرجوازيين ولم ينشـأ ساترا لهم .

لقد جعل الإسلام من الصدقة التطوعية زكاة مفروضة !!

 

2- طبعا هذه نظرة اختزالية غريبة في فلسفة ماركس وهذه أحد نقاط الضعف في فلسفته فالعامل العقائدي والقومي والنفسي والسياسي والإجتماعي ربما في بعض المجتمعات أقوى بكثير من العامل الإقتصادي (فتحالف قوى الأمة المسلمة من مُنطلق أنهم مُسلمين سيكون أعظم في النفوس وأبعث على الغيرة والدفاع ألف مرة من تحالف المسلمين العمال مِن مُنطلق أنهم عمال .) وقد قام ماركس باختزال صراع الطبقات وشرائح الأمم والمجتمعات فقام بتقسيم جميع الأمم والشعوب إلى برجوازية مُستغِلة وبروليتاريا مستغلَة وهذا تقسيم اختزالي سطحي يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته 1-28:- ( واعتراضنا على المادية ليس بسبب ماديتها، فهناك من الظواهر ما لا يمكن تفسيره إلا من خلال نماذج مادية، وإنما بسبب زعمها الشمولية التفسيرية التي تؤدي إلى الاختزالية والواحدية.)

3- http://www.marxists.org/archiv...

4- http://www.marxists.org/archiv...

5- www.therealcuba.com/Murderedby...

6- نصر حامد أبو زيد قام بتفسير القرآن تفسيرا ماركسيا وحكمت المحكمة بردته والتفريق بينه وبين زوجته وقد صدر ضده حكم عبر محكمة النقض المصرية في سنة 1996 بتأييد التفريق بينه وبين زوجته .... مع أن نصر أبو زيد يقول ليل نهار أنا مُسلم وطبعا هذا قرار محكمة لشخص يقول أنا ماركسي مُسلم .!!

7- مصطفى محمود :- الماركسية والإسلام

 

 

 

مقالات مرتبطة بـ الماركسيـة والدين أضحوكة ماركسي مسلم