الداروينيـة الإجتمـاعيـة الإجـرام بإسم الإلحـاد

د. هيثم طلعت علي سرور

من خلال الإلحـاد فحسب يمكن تبرير  أكثر الجرائم عُنصرية في تاريخ الأرض

في كتابهِ أصل الأنواع أثبت داروين أن الكائنـات الحية قد تطورت من بعضهـا البعض وقال داروين بنظريته العجيبة اعتمادا على الشكل الظاهري وحجم الجمجمة ومحيط دائرة الرأس فقال مثلا إن الدب قد تطور إلى حوت والطيور تطورت إلى زواحف اعتمادا على الشكل الخارجي وحجم الجمجمة وكان معذورا فالخلية في تلك الأيـام كانت تبدو تحت المجهر عبارة عن لطخة من البروتوبلازم .

بناءا على ما تقدم تم التأسيس لأكبر جريمة عنصرية في تاريخ الأرض وهي جريمة البيض والسود في أوربـا وأمريكـا .
في البداية قام عالِم الإنسـانيـات الشهير صموئيل مورتن Samuel Morton بتجميع عدد لا يُحصى من الجماجم البشرية وعمل قياسات بينهم وتوصل إلى نتائج رهيبة لتصنيف البشر وتقسيمهم إلى مجموعات وأجناس وأعراق وقد استنتج من بين ما استنتج أن الأمريكيون ثم الإنجليز ثم الفرنسيون هم أذكى الناس في العالم يقول لي بيكر عالم الإنسـانيـات الشهير :- إن صموئيل مورتن كان مخبولا بفكرة مقاس الجمجمة وأخطـأ كثيرا في المقاس وكان يعتمد على المقاس في قياس الذكـاء والتفوق الحضـاري والعِرقي. 

وبعد صموئيل مورتن بفترة ظهر كتاب أنواع البشرية للويس أجاسي louis agassiz الذي قام فيه بالتأصيـل العلمي لفكرة اختلاف البشر والأعراق وأننا لسنا سواسية وأعطى المبرر للبيض بقتل الهنود الحمر وقال بالحرف الواحد :- البيض ليسوا سفاحين ولكنهم يتبعون قضية حتمية في تشكل الأعراق وحتمية العلم.
في البداية تم تبرير هذا الأمر من وجهة النظر الداروينية الإلحـادية المادية بقياس حجم الجمجمة وأطوال الرأس لكن بعد أبحاث DNA وما أحدثته من تقويض للداروينية في خمسينيات القرن الماضي فقد اكتشفوا أن 5 جينـات فقط من اصل 25 ألف جين هي فقط المسئولة عن هذا التنوع البشري الهائل بل ونسبة التباين بين السود والبيض أقل بكثير من نسبة التباين بين البيض والبيض أنفسهم .

لقد بررت الداروينية الإلحـادية لعمدة نيوجيرسي أن يقول قولته الشهيرة :- إن الهنود بما أنهم نشـأوا في وسط عرق أبيض أرقى عليهم أن يستسلموا ثم يختفوا .

حتى الأتوبيسـات والفنادق كان يتم تقسيمها عرقيـا وكانت توضع لافتة فوق المكان المسموح فيه بجلوس الملونين السود.

ولا ننسى قصة المسكين أُوزاوا تلك القصة الشهيرة التي حدثت عام 1915 عندمـا أصدر الكونجرس قرارا بعدم منح أوزاوا الجنسية لأنه من عِرق مغولي .. وأيضا ذلك القانون الدارويني من الكونجرس الذي يقول
RULES JAPANESE CAN'T BE CITIZENS; Supreme Court, in Two Decisions -1-.

فقد أصدر الكونجرس قرارا بأن البيض فقط هم الذين يحصلون على الجنسية والزيجـات المختلطة ممنوعة وحتى سنة 1920 لم يكن للسود ذِمة مالية أي لا يستطيعون امتلاك عقار أو إقامة مشروع .

حتى الضمان الإجتماعي الذي وضعه أيزنهاور ل30 مليون أمريكي أُستثني منه السود 
ولا ننسى تلك المهزلة التي حدثت للمحاربين السود المساكين العائدين من الحرب العالمية الثانية الذين كان عددهم مليون جندي أسود لم يتم تسليمهم منازل بسبب لون البشرة فيما يُعرف بقضية ليفيتاون أو ليفيتاون جت .
ولا ننسى كتاب قوس الجرس bell curve أكثر الكتب مبيعا في السبعينـات الذي يتحدث عن أنه لا فائدة من تعليم السود أو تحصينهم من الأمراض إنهم أضعف عقلا وأفقر ذهنـا من البيض ولابد أن يُنفق المـال في أُمـور أكثر فائدة .

بهذه المبررات الداروينية الإلحـادية تمت إبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر في عمليـات الإبادة الشهيرة التي قام بها البيض في أمريكـا فقط وبإسم الإلحـاد ..فقط وبإسم الإلحـاد ولولا ظهور أبحـاث ال DNA في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي والتي قوضت تلك الخرافات ومزاعم التطور لكُنـا الآن بصدد استئصـال آخر أسود من أمريكـا حيث أن جونسون الرئيس الأمريكي لم يتكلم عن الإسكان العادل بين البيض والسود ولم يطرح الأمر على الكونجرس إلا في ستينيات القرن الماضي فيما عُرف وقتهـا بإسم الحقوق المدنيـة للجميع .


 الداروينيـة الإجتمـاعيـة  الإجـرام بإسم الإلحـاد

يرى هربرت سبنسر المُعـاصر لدراوين والمتأثر بأفكـار داروين أن الإرتقـاء يحدث في الإنسان عن طريق الإنتخـاب الطبيعي وأن الإنسان ظاهرة بيولوجية ترتقي من خلال الصراع وتنقيـة الأعراق فقـام بالتـأسيس لما سُيعرف فيمـا بعد بإسم الداروينية الإجتمـاعية .
والداروينيـة الإجتمـاعية تعني تنزيل قوانين داروين في الأحيـاء على علم الإجتمـاع 
يقول تشارلز داروين في كتابه أصل الإنسان في الفصل السادس ما يلي :- ( في مرحلة مستقبلية معينة، ليست ببعيدة ، سوف تقوم الأعراق البشرية المتحضرة على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجية واستبدالها في شتى أنحاء العالم.)

وهذا ما حدث بالفعل خلال قرن واحد من مقولته تلك فقد قامت حربين عالميتين أُبيـد فيهمـا مئات الملايين من البشر - 65 مليون قتيل و150 مليون مصاب ومُعـاق -.
وبعد مقولة تشارلز داروين بأربعين عاما فقط قامت الحرب العالمية الأولى و لا يوجد مُنظِّر واحد يستطيع أن يُعطيك تبريرا واحدا لأسباب قيـام هذه الحرب .
فالسبب الوحيد الظاهر والذي درسناه في المدارس هو ان الحرب العالمية الأولى نشبت على أثر اغتيـال ولي عهد النمسا وزوجته من قِبل طالب صربي أثناء زيارتهما لسراييفـو ...... فأعلنت النمسـا الحرب على صربيـا في 28 يوليو وبعدها بيومين أعلنت روسيا الحرب على النمسـا في 30 يوليو وبعدها بيومين أعلنت ألمانيا الحرب ضد روسيا في 1/8. غير أنها أعلنت الحرب كذلك على فرنسا في 3/8، وبدأت بغزوها عبر بلجيكا، وسرعان ما أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في 4/8، كما أعلنت النمسا ـ هنغاريا الحرب على روسيا.
ثم دخلت باقي أوربـا في الحرب المجنونة الغير مُبررة.

هذه الأسباب الظاهرية التي درسناها لا تعطي تحليلا منطقيـا لهذه الحرب التي اشتعلت خلال أيـام لتشمل أوربـا كلها لكن السبب المنطقي الوحيد هو كما يقول عالم التاريخ الأمريكي توماس ناب thomas knapp من جامعة لويال :- ( كان الناس ينتظرون الحرب قبل عام 1914 بمنتهى الشغف وكانوا يتمنون قيام الحرب وكان الدافع لسيطرة هذا الفرح عليهم هو سيطرة الداروينية الإجتماعية على الناس في تلك الفترة حيث طُبقت في مدارس أوربـا فهي ترى الحرب دافعـا للرقي للأقوى ودافع للنشاط .) 
فالسبب المنطقي الوحيد لقيـام الحرب العالمية الأولى هو تطبيق الداروينية الإجتماعية في تلك الفترة فانطلاقا من الداروينية الإجتماعية فالحرب حتمية بيولوجية لإرتقاء الأقوى عبر مبدأ الصراع الدارويني .. والقتال وسفك الدماء هو قانون الطبيعة من منظور المنظرين للداروينية الاجتماعية فالظرية الداروينية حُبلى بكل فلسفات الصراع والبقاء للأقوى.

كتب القائد النمساوي المجري الجنرال فان هودزاندورف القائد الكبير في الحرب العالمية الاولى كتب يقول بعد انتهاء الحرب :- ( الحرب قانون الطبيعة ... علينـا أن ننسى قليلا ما تدعونـا إليه الأديـان  -2-)

كتب فريدريك فوربرنارد وهو احد جنرالات الحرب العالمية الأولى :- ( الحرب حاجة أيديولوجية بقدر حاجة الأحياء في الطبيعة للصراع وتُعطي نتائج مجدية من الناحية البيولوجية -3-.) فهو قد قام بالربط بين الحرب وصراع الاحياء من منظور دارويني مُجرد.

كانت الحرب العالمية الاولى ثمرة فلسفة تعتقد أن الصراع وسفك الدماء قانون الطبيعة الأزلي وظلت الداروينية الإجتماعية عالقة في أذهـان الناس إلى ان جاءت النازية لتحكم ألمانيا والنازية هي اعتناق للدراوينية الاجتماعية وهتلر كان قد اعتنق في فترة سابقة القوانين الأساسية للداروينية الإجتماعية وان الصراع هو السبيل الوحيد لبقاء العرق الأري نظيفا قويـا 
فالعرق الأري هو أرقى الأعراق وأكثرهـا تطورا وهو الأولى بقيادة البشرية 
يقول هتلر :- ( يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة .)
ولا ننسى المقولة السابقة لتشارلز داروين التي أسست للداروينية الإجتماعية حين قال ( "في مرحلة مستقبلية معينة، ليست ببعيدة ، سوف تقوم الأعراق البشرية المتحضرة على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجية واستبدالها في شتى أنحاء العالم." )لذا عندمـا قام هتلـر بقتل الغجر والسلاف واليهود والأقزام وغيرهم في أفران الغـاز كان يقول أن هذه أدشـاش تطهير للعِرق الآري.
فالتطهير العِرقي أمر بديهي من منظور دارويني إلحـادي مادي مُجرد .

ادعى هتلر ان العِرق الآري قد انحسر في ألمانيا فلابد من احتلال البلاد الشرقية من أوربـا لتوفير أماكن عيش للألمان فيما عُرف بالمجال الحيوي لهلتر حيث سيسطر الجنس الآري على العالم في وقت لاحق فهو أولى الأجناس بقيادة العالم فيما عُرف بإسم الرايخ الثالث .
وتم أيضـا تأسس وحدات الموت للقتل العام قُتـل فيهـا أكثر من 11 مليون شخص بحجة التطهير للجنس الآري وأسماها هتلر أدشاش تطهير لألمانيا ..وفي كل مكان عبروه أحرقوا الناس والبلاد والبيوت.
وحتى المعاقين والمرضى والضعفاء تمت إبادتهم في النظام الهتلري بحجة أنهم غير منتجين useless eaters لابد من التخلص منهم في أسرع وقت وبأكثر الطرق كفاءة. أي أن العقل المادي هنا قام بتفكيك البـشر بصـرامة بالغة وكفاءة مدهـشة، ونظر للجـميع بعيون زجـاجية وكأنه كمبيوتر متألِّه، يبلغ الغاية في الذكاء، لا قلب له ولا روح، يُحيي ويُميت .

فالداروينية حرَّرت النازية من أية أعباء أخلاقية مثالية .....
وقد أبادت الحرب العالمية الثانية وحدها 2% من سكان العالم وخلفت مأساة أكبر من ذلك بكثير تتمثل في ازدياد الشك والنفور من كل تقدم علمي والخوف مما يخبئه المستقبل.... فقد جنت الداروينية على العلم وعلى الإنسان .

فالإنسان له روح خاصة مستقلة عن جميع المخلوقات فهو لا يُتصور أنه نشـأ خلال منظومة صراع الغابة فهو ليس ابن للغابة كما يحاول أن يقنعنا داروين ورفاقه 
والإنسان لم يوجد من أجل الصراع إنما وُجد من أجل عبادة الله وعمارة الأرض وإقامة الحق أيـا كان مَن اتبع الحق سواء كان أبيض أو أسود فالإنسـان ليس مُفصلا على طراز داروين.

---------------
المراجع للإستزادة :- موقع الباحث التركي هارون يحيى - العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة دكتور عبد الوهاب المسيري

 

المراجع

  1. 1- http://query.nytimes.com/gst/a...
  2. James joll europe since 1870 peguin boks 1990 p.164
  3.  Man in process world .pub .co. newyork 1961 p.76

مقالات مرتبطة بـ الداروينيـة الإجتمـاعيـة الإجـرام بإسم الإلحـاد