الاستقامة

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

الحمد لله العليّ العظيم، العليم الحكيم، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأُثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن الرحيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله ذو الخُلُق الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ذوي النهج القويم.

أما بعد:

فاتقوا الله - أيها المسلمون - حق التقوى، فتقوى الله عُدَّة للشدائد في الآخرة والأولى، ومُوجِبةٌ لرضا الجليل الأعلى، يُيسِّر الله بها الأسباب، ويدفع الله بها العذاب.

عباد الله:

 

إن سعادة الإنسان أن يُحافظ على فطرته التي فطر الله عليها الخلق، فلا يدَع فطرته تنحرف عن الصراط المستقيم، ولا يتركها تفسُد بالشهوات ولا بالشبهات، ولا يُمكِّن من نفسه الشياطين من الإنس والجنّ، يصُدُّونها عن سبيل الله، ويُورِدونه موارد الهلاك، والخِزي والمُوبِقات؛ بل يحتمي بعز الله وقدرته، ويتوكَّل على خالقه، ويعتصِم بدينه القويم، ويُفوِّض أموره كلها إلى الله - عز وجل -، راغبًا إلى الله راهبًا منه، قال الله تعالى:  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  [الروم: 30]، وقال تعالى:  وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  [آل عمران: 101].

 

أيها المسلمون:

أتدرون ماذا أعدَّ الله للمعتصمين به المستقيمين على أمره من الأجر، وماذا آتاهم من الذُّخْر، إن الله تعالى يُبيِّن ذلك في كتابه في قوله - عز وجل -:  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [الأحقاف: 13، 14]، فالاستقامة هي الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والاستقامة سعادة الإنسان وفلاحه ونجاحه، وفوزه ونجاته، وعُدَّته لشدته، وما أشد حاجتنا نحن المسلمين إلى الاستقامة وتفقُّد النفس ومحاسبتها، وما أعظم افتقارنا إليها، خاصةً في هذا العصر الذي اشتدَّت فيه المِحَن، وكثُرت فيه الفِتن، ليُصلِح الله أعمالنا، ويُقيم على الطاعة أحوالنا.

وليُحسِن العبدُ في عبادته وأعماله كلها، حتى يُحسِن الله لنا العواقِب في الأمور كلها، في مآلنا وحالنا.

والاستقامة أعظم ما منَّ الله به على العباد، وهي وحدها الزادُ ليوم المعاد، أمر الله بالاستقامة في غير ما آيةٍ من كتابه، فقال - تبارك وتعالى -:  فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  [هود: 112]، وقال - تبارك وتعالى -:  وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  [الشورى: 15]، وقال - تبارك وتعالى -:  قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ  [فصلت: 6].

وتفسير الاستقامة: هي الثبات على دين الله، ولزوم الصراط المستقيم، فلا ينحرف العبد مع الأهواء والشهوات والبدع المُضِلَّة، الاستقامة هي تعظيمُ أوامر الله بالمسارعة إلى امتثالها، والاستقامة هي تعظيم نواهي الله بالبُعد عنها واجتنابها، الاستقامة هي المحافظة على الطاعات، فلا يأتي بعملٍ يُبطِلها ولا يُنقِصها، الاستقامة هي أن يُحدِث لكل ذنبٍ توبةً نصوحًا، الاستقامة هي عبادةُ الله بما شرع الله، وبما شرع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وبُغض البدع، والبُعد عنها، والتحذير منها، الاستقامة هي عمل الطاعات مع الإخلاص لله - عز وجل -، والخوف ألا تُقبل، الاستقامة هي التمسُّك بسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ونشرها وتعظيمها، وكراهة ما يُضادُّها، الاستقامة بدؤها ومنتهاها تحقيق التوحيد لرب العالمين.

روى ابن جرير في "تفسيره" عن سعيد بن عمران قال: قرأتُ عند أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - هذه الآية:  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا  [فصلت: 30]، قال: "هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا"، ثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه - في هذه الآية:  قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا  فلم يلتفتوا إلى إلهٍ غيره.

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية:  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا  على شهادة أن لا إله إلا الله.

وقال أبو العالية: ثُمَّ اسْتَقَامُوا أخلصوا له الدين والعمل.

وما أعظم وأجلّ تفسير السلف للاستقامة بتحقيق التوحيد لله - تبارك وتعالى -، بكل أنواعه، فإن هذا هو الأصل وهو البداية والنهاية لكل مسلم.

والاستقامة نهاية الغايات، وأعظم الوصايا، وأجلُّ العطايا؛ عن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرَك، قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقِم»؛ رواه مسلم.

وكان الحسن البصري - رحمه الله - يقول: اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة.

إن الاستقامة هي: أن يعمل المسلم لنفسه، وأن يُقدِّم لآخرته ما ينفعه، وأن يدعو مع ذلك إلى ما هو عليه من الهدى، أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، ليكون داعيًا إلى الله - عز وجل - على بصيرة، وليكون مُحسنًا إلى نفسه، وليكون مُحسنًا إلى الخلق، فإن صفة المؤمن أن يكون مُحسنًا إلى خلق الله بعد أن يُحسِن إلى نفسه، وكان الحسن البصري يقول ويُكثِر من سؤال الله الاستقامة، وغيره من السلف.

وقد جعل الله ثواب الاستقامة أعظم الثواب، وأمَّن صاحبها من العذاب، قال الله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ  [فصلت: 30 - 32].

الله أكبر، ما أجلَّ هذا التكريم، وما أوسع هذا النعيم، قال ابن كثير - رحمه الله - في "تفسيره":  تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ  قال مجاهد: عند الموت،  أَلَّا تَخَافُوا  أي: مما تُقدِمون عليه من أمر الآخرة،  وَلَا تَحْزَنُوا  على ما خلَّفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهلٍ ومالٍ أو دَيْن، فإنا نخلُفكم فيه،  وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ  فيُبشِّرونهم بذهاب الشر وحصول الخير،  نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ  أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم - أي: قرناؤكم - في الحياة الدنيا نُسدِّدكم ونوفِّقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نُؤنِسُ منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونُؤمِّنُكم يوم البعث والنشور، ونُجاوز بكم الصراط، ونُوصِلكم إلى جنات النعيم،  وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ  أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقرُّ به العيون،  وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ  أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم،  نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ  أي: ضيافةً وعطاءً وإنعامًا من غفورٍ لذنوبكم، رحيمٍ بكم.

قال الله - تبارك وتعالى -:  وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [التوبة: 105].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه.

 

مقالات مرتبطة بـ الاستقامة