الإنسان ليس مُسيـر ولا وجـود للحتميـة المادية الإلحـادية !!

دكتور / هيثم طلعت علي سرور

 

في القرن الثامن عشر الميلادي قال العالم الفرنسي الشهير لابلاس Laplace إننـا لو استطعنا معرفة مواقع وسرعات الجزيئات في الكون فإننا نستطيع معرفة سلوكها وحسابها حتى في الماضي والمستقبل .

هذا يعني ببسـاطة أن هنـاك حُتمية ماديـة صـارمة .. ولا مجـال للاختيـارات أو حتى التوقعـات وهكذا تبنى لابلاس ونيوتن فكرة الكون المُغلق وظلت هذه الفكرة هي السائدة في الأوسـاط العلمية إلى أن أتى عـام 1900 عندمـا قام الفيزيائي الألماني ماكس بلانك Max Planck بوضع نظريته المدهشـة ميكانيكـا الكم والكوانتم Quantum Mechanics والتي تبحث في قوانين حركة الجزيئـات والأجسـام الصغيرة .

وكـانت المفاجـأة حيث أعلن بلانك أن حركة الجسيمـات لا يمكن التنبؤ بهـا وأن حركة الجزيئـات لا تخضع لما يُعرف بالحتمية المادية وظل الأمر مُستغلقا مريبـا إلى أن أتى عام 1926 حيث قام الفيزيائي الشهير هيزنبرج Werner Heisenberg بالتـأصيل للنظرية تأصيلا علميـا فيمـا يُعرف بمبدأ عدم التأكد Uncertainty Principle واستنتج أن هناك متغيرات غير منسجمة قياسيا على المستوى الجزيئي كالعامل سبين وهذا يعني ببساطة استحالة توقع مكان الجزيء في اللحظة القادمة وكان نيلز بوهر صديقا لهيزنبج و رأى في مبدأه قيمة فلسفية فاعتبر أن مبدأ هيزنبرج يُسقط الحتمية المادية في فخ كبير وقال بوهر قولته الشهيرة :- ( إن نظرية الكم هي نظرية كاملة, و إن العشوائية في نتائج التجارب و إضطرارنا إلى إستعمال الإحتمالات هي خاصية أساسية للكون, و ليس فقط نتيجة عدم قدرتنا على القياس .)

حتى يومنـا هذا تلقى نظرية الكم كُل الدعم فجميع التطبيقات والتنبؤات التي طرحتهـا النظرية صحيحة 100% ولغز تكمم الجُزيئـات أو سيرهـا بطريق غير متوقع - عشوائي - أدى بالعلمـاء إلى وضع ما يُعرف بالدالة الموجيـة wave function وهي مجموعة النقاط التي يُتوقع أن ينتقل إلى أحداها الجزيء في اللحظة القادمة .

والخلاصة فالإنسـان حُـر ( هو بالحقيقـة حُـر ) فلا داعي للتمرد ..!!

والذين يطلبون الإستدلالات والبراهين على ان الإنسـان حُـر لا يطلبونها إلا في لحظات الإحتراف أو في قاعات المحاضرات أو في دراستهم لأنهم عندما يقومون بعمل ما من الناحية العملية لا نرى في حياتهم تأثر يُذكر بهذه الأُمور فمثلا لو دخـل أحـدهم مقهى فهو لن يتردد أنه حُـر تماما في اختيـار المشروب الذي يتلذذ به .

وكذلك الإنسـان حُـر في أخلاقـه وأفعـاله وحتى تكتمل حُـرية الإنسـان خلق الله لنـا العالم الجواني المسمى بالنيـة والنية هي عالمنا الجواني وهي عالم قوامه الحرية والإختيارات المتساوية وهي حرية كاملة لا تحدها حدود طبيعية أو مادية والذي فيه تستطيع أن تحقق أعظم البطولات وأخس البذاءات لا يوجد عليك رقيب في هذا العالم الجواني إلا نفسك ولـذا يقول سارتر :- ليس في الجحيم ضحايا أبرياء ولا مذنبين أبرياء.

إذن الإنسـان حُـر ولا وجود للحتمية المادية الصارمة فنحن مكلفون على الأرض ولا مناص من التسليم بهذه الحقيقة وهكذا ومرة أخرى نجـد أن الدين والعلم في جـانب بينمـا الإلحـاد والخرافة في جـانب آخر تماما .

والنظرية الكمومية استطاعت بدقة مذهلة وصف العالم على المستوى الذري.كما استطاعت النظرية النسبية وصف العالم على مستوى الأجرام والكواكب ولفهم أي حدث وكل ما يحدث على المستوى الذري أو الجزيئي فإنك تحتاج حتما لميكانيك الكم.

 والعالم الكوانتي هو عالم تسود فيه الإحتمالية عوضا عن الحتمية وظهور أي حدث محكوم باحتمال معين غير أكيد وفي العالم الصغير الذري فإن تلك الإحتمالات تحدث بشكل مستمر.. فالإنسـان مُخير كموميـا وعلميـا ودينيـا .......... مسيَّر إلحـاديـا وخرافيـا.!!

42-الدين المُجـرد ..... الإلحـــاد المُجـرد

الدين المُجـرد هو إجابة على سؤال واحد كيف تحيـا في ذاتك وتواجه هذه الذات .. مبادئ اللاعنف والمُسالمة والعفة المُطلقة الابتعاد عن كل ما هو مادي … كلها أمور أقرب إلى الدين المُجرد .

بينما يرى الإلحـاد المجرد أن العالم مادة مُستهلكة وغايته النهائية هي توفير أقصى قدر ممكن من إشباع الشهوات .

عندما صرَّح القرآن الكريم :- ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )

(البقرة: من الآية284)

كان هذا تقريرا لما يريده منك الدين المُجرد .. لكن لما اشتد الأمر على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت

( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا .)

عندما يُقرر الإلحـاد مبادىء أخلاقية فهذا لا يتسق مع المادية الجدلية في شيء وعندما قرر ماركس محاربة الإستغلال كان على حق ولكن هذا لا يُمكن أن يتسق مع فكره المادي في شيء.

في الحج هناك نوع من التنسك الكامل حتى لا يجوز قتل حشرة إنه يمثل نوعـا من التذكير بالدين المجرد ورجم الشهوات .

من وجهة نظر الإلحـاد المُجردة يجب أن تحصل على أكبر قدر ممكن من السعادة في أقصر وقت ممكن وكما يقول جون لوك :- ( إذا كان كُل أمل الإنسان قاصرا على هذا العالم وإذا كنا نستمتع بالحيـاة هنا في هذه الدنيـا فحسب فليس غريبا ولا مجافيـا للمنطق أن نبحث عن السعادة ولو على حساب الآباء والأبنـاء .)

فإن كومة الفضائل التي ظل أرسطو يدافع عنها طيلة عمره لا قيمة عملية لها فلا قيمة للأخلاق إلا الأخلاق النفعية أما التضحية والبذل والزهد والتبتل فلا مكان لها في مكان يسوده الإلحـاد .

الديـن المُجـرد الإنسـان هو محور التاريخ ..ولا قيمـة للحيـاة الجوانية للإنسـان ( النيـة ) إلا في وجود الدين فربما وقع أحدنـا في فعل بالخطأ وهو لم ينوي أن يفعله لكن هذا الفعل وقع وانتهى في العالم المادي الأرضي ..  هذه العلاقة بين النية والفعل تعكس التناقض المبدئي بين الإنسان والعالم .

في الإلحـاد المُجـرد نلمح من بعيد شعارا يقول باطل الأباطيـل ..كل شيء باطل ما الفائدة من كل تعب الإنســان الذي يتعبه تحت الشمس جميع الأنهـار تصب فيالبحرولكن البحـر لا يمتلىء .. جميع الأشيـاء مرهقة فلا العين تشبع من النظر ولا الأذن تمتلىء من السمع .. ما فائدة العمـل في هذا الجسـد الفاني المتحلل بينما في الدين المُجـرد

( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }

الزلزلة8

في الدين المُجرد يُعتبر القتل الرحيم - قتل من يشكو مرض عضال حتى يرتاح - والإعقـام اليوجيني - إتلاف خصية من يُظن أن نسله سيُعـاق - جريمة ضد الإنسانية لأن فيهما حطا بالإنسان إلى مستوى الأشياء ولكن في الإلحـاد المُجـرد يعتبر هذا شيئا عاديا بل ويحفز عليه حيث لا توجد حُجة علمية تمنع من ذلك .. وكل القلوب التي تشمئز من تطبيق هذه الإجراءات إنما تشمئز استجابة للفطرة بداخلها وأن قيمة الإنسان ليست أرضية مُجـردة .. بل له قيمة اكتسبها منذ التمهيد السمـاوي والمقدمة السمـاوية التي تتبناها الأديـان .!!

في الدين المُجـرد تُعتبر الحيـاة قنطرة للآخرة حيث هناك الحيـاة المُطلقة والحقيقية

{ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}

(64) سورة العنكبوت

... إنها من الآيات المُبهرة بحق ... إن إضافة الألف والنون في كلمة الحيوان تُفيد مُطلق الحياة ( وهذه الكلمة من كلمات الإعجاز البياني التي بهرت الدارسين في أصول لغات الأرض ) فإضافة الألف والنون إلى الشيء تُفيد إطلاقه .. ولذلك سُمي الحيوان حيوانا لأن حياته الأصلية والحقيقية هي تلك التي يحياها بيننا ... ثم يختم الله سبحانه وتعالى الآية بإشارة رائعة

  { لو كانوا يعلمون }

إذ لو يعلمون ذلك ما آثروا الدنيا عليها ...

يُخبرنـا الدين المُجـرد باستمرار أن السعادة الحقيقية مصدرها الدين وأن السعادة والألم الدنيويين بلا قيمة وهذا يعترف به كل مُلحد يُقبل على الإنتحـار وربما في هذا الحُجة الأولى والأقوى على أهميـة الدين عمليـا ..

في الدين المُجـرد الأخلاق مُطلقـة لا توجد قيمة مادية لها .. الأخلاق لا تستمد قيمتها من هذا العالم غير مُربحة ماديا ... بينما في الإلحـاد المُجـرد الأخلاق نسبية نفعيـة تستمد قيمتها من نتاجها وهذه الأخلاق يُسميها علماء الأخلاق بأنها أخلاق النفاق أو الأخلاق غير الأصيلة ..!! في الدين المُجـرد نجد الإجـابة صريحة ومباشرة على تساؤلات وظواهـر مثل ظاهرة الحياة الجوانية - النيـة -.. ظاهرة التأمل في الذات .. ظاهرة التطلع إلى السماء .. تساؤلات الإنسان الحائرة وشعوره بالضيـاع في هذا العالم وحنينه لمكـان آخر يبدو أنه كان فيه يومـا ما ويحـاول العودة إليــه ....... بينما يتعامل الإلحـاد المُجـرد مع هذه الاسئلة بسلبية تـامة فإنسان السمـاء لا إنسـان داروين هو مَن تنتابه هذه الأسئله وبما أن هذه الأسئلة لا تنفك عن أي إنسان على وجه الأرض إذن يبدو أنه لا وجود لإنسان داروين في الإلحـاد المُجـرد لا يوجد أُنـاس خاطئون فالقوانين الطبيعية الحتمية هي المسئولة عن ذلك ولا يستحق العقـاب أحد أخطـأ .. فالخير والشر نسبي وكلها أمور تخضع للقوانين الطبيعية الحتمية .. أما المُعـاقون وأصحـاب العاهات المُستديمة فيتم تفكيكهم من الآلة ببساطة فلا قيمة مـادية لهم .. في الإلحـاد المُجـرد لا مكان للدرامـا والتراجيديـا وربمـا كان مـاو تسي تونج على استيعـاب تام بهذه الأمـور عندمـا ألغى أعمـال شكسبير وبيتهوفن أثنـاء الثورة الثقافية بالصين . في الدين المُجــرد هنـاك شعور بالمسئولية الفردية والحريـة في الإختيـارات فالإنسـان مسئول عن جميع تصرفاته وللإنسـان في الدين المُجـرد عالمان عالم خارجي وعالم جواني - النيـة - فما يعجز عن تحقيقه في العالم الخارجي ينوي تحقيقه في العالم الجواني وفي كلا الأمرين هو مُثاب أو مُعاقب وربما هنا تكمن قيمته كإنسان ..... فهو إمـا أن يكون إنسان حُـر أو لا إنسان مُسيـر.

في الإلحـاد المجـرد هناك نوع من القنوط من مواجهة أمراض اجتماعيـة وتساؤلات مُحيـرة عن أصل الإنسان ومصيره .. وهناك شعور دائم بأنه لابد من إدخـال عناصر ميافيزيقية داخل منظومة الإلحـاد المجرد ومن هذه العناصر التي تدخل برضا أو بدون رضـا الأخلاق الغير النفعية فالإنتحار والإكتئاب مرضي العصر سببهما الوحيد هو الدوار الميتافيزيقي الذي ينتاب كل من ابتعد عن الدين إنه إلزام مستمر له بالعودة إلى الدين .

في الديـن المُجـرد نستطيع تحقيق ذروة الكمـال الإنساني فقد خلق القرآن من الهباء أُمة ضخمة واتسبقى على القرون جيلا من الناس ما كانوا ليدخلوا التاريخ أبدا لولا نهوض هذا الكتاب بهم .. وقد أخبر الله تعالى بذلك قبل حصوله

{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ }

الزخرف44

... أي هذا الدين فيه شرف لك ولمن اتبعك وسوف تسألون يوم القيامة عن الشكر لله عليه وتبليغ رسالته !!

يتحدث الدين المُجـرد عن جحيم المُدن الكبرى بينما يتحدث الإلحـاد المُجـرد عن الحيـاة الغبية للريـف .. الشعور بكراهية المدينـة هو رد فعل إنسـاني خالص .. فالإنسان ضد القولبـة والتشكيل والتسوية العـامة التي يفرضها نمط العيش في المدن والعمل بالمصانع ..

يبحث الإنسان عن الحُريـة والشخصية المستقلة والفرديـة ولو على حسـاب المُتع واللذات لأنه وساعتها فقط سيشعر أنه إنسان فالحريـة والشخصيـة والمسئولية الفردية هما أهم سمات الإنسان وهما مناط تكليف الإنسان على الأرض .. فإما أن يكون الإنسان إنسان حُـر مؤاخذ أو لا إنسان مسير لا عقاب عليه

في الدين المجـرد نستطيع تجـريم أي عقوبة فنحن عندنا حججنا الميتافيزيقية الخـاصة بنـا والمُجرم هو شذوذ في كون طائع وهو خروج على القاعدة .. بينما في الإلحـاد المُجـرد لا توجد حجج ميتافيزيقية تُقـام على أي مُجـرم فالقوانين الطبيعية الحتمية هي التي تحكمنـا ولا مفر منها فأي عقـوبة هي بمثابـة خرق للمـادة وتدَّخُل في نظـام مؤسسي قائم  فالعُقوبة لا تتسق مع الإلحـاد .. لا مبرر مادي للعقـوبة فكُل مبررات العقـوبة هي مبررات ميتافيزيقية بحته ..

---------------

المراجع للإستزادة :- كتـاب الإسلام بين الشرق والغرب .. تأليف:- علي عزت بيجوفيتش .. ترجمة :- محمد يوسف عدس .. مؤسسة بافاريـا

مقالات مرتبطة بـ الإنسان ليس مُسيـر ولا وجـود للحتميـة المادية الإلحـادية !!