الأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله ربّاَ

الأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله ربّاَ

الشيخ / فريد الأنصاري

 فالأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله ربّاَ، وهو توحيد الربوبية، كما في هذه الآيات، وهي كذلك مدخل التعريف به إلهاَ، وهو توحيد الألوهية، كما في قوله عز وجل من سورة الأعراف:

{ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

[الأعراف: 180].

ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه في أسماء الله الحسنى: "إن لله تسعة وتسعين اسماً – اعطى مائة إلا واحدة – من أحصاها دخل الجنة. إنه وتر يحب الوتر".

وفي رواية: "من حفظها دخل الجنة"؛

يعني إن لله تسعة وتسعين اسماً وفي الحديث دلالة على عدم حصر أسمائه في هذا العدد، لقوله: (أعطى)، فهذا لفظ ظاهره دال على أنه له تعالى غيرها مما لم يعط واستأثر به في علم الغيب عنده، كما هو معروف في السنة. فقد أعطى ما أعطى ومنع ما منع؛ لحكمة هو جل وعلا يعلمها.

وزاد الترمذي والحاكم وغيرهما في الحديث تفصيلاً في عد هذه الأسماء، نذكرها جميعاً لبركتها ولحاجتنا إليها،

فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحَكَم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم ، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور".

قلت: إن جماع توحيد الربوبية يؤول إلى إثبات الأسماء والصفات لله رب العالمين، إثبات إيمان وتسليم، لا ينحرف به تأويل، ولا يزيغ به تعطيل، ولا يخرمه تشبيه أوتجسيم.

فهو تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}

[الشورى:11]

، فلا ينسب شيء من الخلق والتدبير في الكون إلا له سبحانه، وحده دون سواه، ولا يعتقد شيء من النفع والضر والعطاء والمنع والحياة والموت؛ يصل الكائنات من غيره تعالى، فكل الأسماء الحسنى والصفات العلي دلت على تفرده سبحانه بمقتضياتها من الفعل والأمر، لا دخل لأحد من خلقه في ذلك إلا بإذنه تعالى، تدبر – ثم تدبر –

قوله عز وجل: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }

[البقرة: 255].

ذلك هو توحيد الله في ربوبيته أي في مالكيته للكون وخالقيته له، وذلك هو المنطلق السليم، والأساس القويم لتوحيد الألوهية، كما ذكرنا، وبقدر تصفية ذلك يكون السير في طريق المعرفة الربانية، والرقي في مدارج الإيمان، لأداء حق الخالقية، حيث إن توحيد العبودية، أو الألوهية كله لا يخرج عن معنى السير إلى الله رغباً ورهباً، من حيث إنه تعالى موصوف بصفات الكمال وأسماء الجمال، وبهذا السير تتحقق للعبد رتب المعرفة به تعالى، ويكتسب الجديد من منازل الإيمان، ومقامات الإحسان، سيراً في طريق عبادته تعالى على نهج السنة النبوية؛ استجابة

لقوله تعالى : {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.

[الحجر: 99].

وهنا نعود إلى حديث الأسماء الحسنى، حيث يتبين أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحصاها – أو من حفظها - دخل الجنة) إنما المقصود بالأحصاء (الحفظ) عينه، كما في صحيح البخاري في (باب إن لله مائة اسم إلا واحداً)، وقد ذهب أغلب العلماء – كما سترى بحول الله – إلى أن (الحفظ) هنا هو بمعنى حفظ المقتضيات من الأفعال والتصرفات، لا حفظ العبارات، كما في قول النبي صلى الله عليه : "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك". والمقصود بحفظ المقتضيات: توقيع كل أعمالك وتصرفاتك بما تقتضيه دلالاتها من حدود والتزامات.

فمثلاً إذا انطلق العبد في طلب رزقه واكتساب قوته فإنما يفعل ذلك باسمه تعالى: (الرزاق)، ومعناه أن ألا رزق يصل إليه إلا ما كتب الله له، ثم ألا مانع له منه وقد كتبه الله له، ويكون لهذا – إن صح اعتقاده فيه – أثره الإيماني يجتهد كل يوم في تحصيله، فلا يساوم في دينه مقابل مال، عطاءً أو حرماناً، إذ وجد في معرفته باسم (الزراق) أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.

وهو قصد من مقاصد حفظ (الاسم) من اسمائه الحسنى: الثبات على ذلك أمام الفتن، لا تزحزحه المضايقات ولا المناوشات، ولا التهديدات، ولا تذهب به الوساوس كل مذهب، بل يسكن إلى عقيدته مطمئناً، آمناً من كل مكروه، إلا ما كان من قدر الله، موقناً أن الله لا يريد به إلا خيراً. فلذلك أمر المؤمن الذي ليس إلا لمؤمن، والمؤمن أمره كله له خير كما في حديث الصحيح؛ حيث قال عليه الصلاة السلام: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

إنها عقيدة السلام والأنس الجميل بالله، وبقدر ما تسكن النفس إلى اسمه تعالى (الرزاق) يذوق العبد من معنى (الحفظ) جمالاً حميداً، وأنساً جديداً، فتعلو القدم بذلك في مراتب العبودية، وتوحيد الألوهية مقامات أخرى. والربانيون في (الحفظ) كل اسم من أسمائه الحسنى – بهذا المعنى – مراتب ومنازل، وبذلك يمتلئ القلب حبّاً لجمال أنواره وجلال إفصاله تعالى، فيزداد شوقاً إلى السير في طريق المعرفة الربانية، التي كلما ذاق العبد جديداً ازداد أنساً وشوقاً، فلا تكون العبادة – بالنسبة إليه حينئذ – إلا أنسأ، وراحة، ولذة في طريق الله ، إذ تنشط الجوارح للتقرب إليه تعالى بالأوقات والصلوات، والصيام، والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدخول في سائر أعمال البر الصالحات. ولك في أسماء الله الحسنى – من كل ذلك – مسالك تقربك إلى الله سبحانه وتوصلك إليه.

هذا هو الفهم الأليق بحديث الأسماء الحسنى، وهو ما ذهب إليه أغلب شراح الحديث عند تعرضهم لذلك؛ ومن هنا قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: (وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها، وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور في حديث ليس هو التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها).

وقال أيضاً: (وهو أن يعلم معنى كلٍّ في الصيغة ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني الأسماء، وتعرف خواص بعضها (...) قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال: وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن؛ بما يقتضيه كل اسم من الأسماء).

ذلك هو الشأن بالنسبة لسائر أسمائه الحسنى: الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن.. إلخ. فكلها (حسنى) بصيغة التفضيل المطلقة هذه؛ أي لا شيء أحسن منها، فهي تبث النور والسلام والجمال، في طريق السالكين إليه تعالى؛ بحفظها، وتملأ قلوبهم إيماناً وإحساناً. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إن لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها".

مقالات مرتبطة بـ الأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله ربّاَ