النوع الثاني من المؤثرات: عوامل داخلية


أحمد يوسف السيد

ان العوامل الخارجية التي تساهم في التأثير بالتشكيكات المعاصرة في الإسلام وثوابته، لا تعمل عملها الحقيقي إلا بوجود محل قابل في الشريحة المستهدفة؛ أي: وجود ثغرات وفجوات في الشريعة الإسلامية المتعرضة للمؤثرات الخارجية السابقة، وسأذكر منها ستة مؤثرات فقط:

المؤثر الأول: ضعف اليقين:

لن أطيل كثيرا في التعليق على هذا المؤثر مع أنه من أهم المؤثرات؛ لأني سأتحدث عنه في القواعد الوقائية، غير أن الذي أريد أن أقوله هنا أو أثير به التساؤل في عقل القارئ الكريم النقطة التالية:

قضية مثل وجوب الصلاة على وقتها هي من القضايا المتفق على كونها أهم الفرائض العملية بين المسلمين، وهم متفقون كذلك على أن تأخيرها الى أن يخرج وقتها من عظائم الذنوب، والسؤال هنا: ما تفسير التفريط المشاهد في أداة الصلاة على وقتها من عدد غير قليل من المسلمين؟

أزعم أن ضعف اليقين هو السبب الأكبر في ذلك مع وجود أسباب أخرى أيضا.

المؤثر الثاني: المشاكل النفسية والضغوط الاجتماعية:

أذكر أكثر من حالة جرى بيني وبينها نقاش حول الإيمان بالله سبحانه، وكان سبب وجود الإشكال عند الطرف الآخر بعض الضغوط والابتلاءات التي لم يستطع التخلص منها، وكثيرا ما يكون الضغط النفسي الذي يعاني منه الإنسان سببا في سخطه على قضاء الله وقدره، ومن ثم قد يجحد وجود الخالق سبحانه، أويتهم عدله وحكمته، وهذا المؤثر بالطبع ليس خاصا بالعصر الحديث، فقد أخبر الله في كتابه الكريم عن أناس ينقلبون على وجوههم بعد عبادتهم إياه بسبب بلوى أصيب بها، فقال سبحانه:

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }

وقد فسر ابن عباس هذه الآية كما في صحيح البخاري فقال: " كان الرجل يقدم المدينة؛ فإن ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله، قال: هذا صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال هذا دين سوء!". وما أجمل تعليق المفسر المُتقن، الشيخ ابن سعدي رحمه الله على هذه الآية؛ حيث قال " أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفا، إما عادة على وجه لا يثبت عنـــد المحن ،

{إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ }

أي: ان استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بايمانه، فهذا ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه ،

{ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ۚ }

من حصول مكروه أو زوال محبوب

{نقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ }

أي: ارتد عن دينه ،

{هِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ }

أما في الدنيا؛ فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضا عما يظن إدراكه ؟، فخاب سعيه، ولم يحصل له الا ما قسم له، وأما الآخرة فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات الارض، واستحق النار ،

{ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}

أي: الواضح البين " انتهى

ان كثيرا من المسلمين في عافية من الكفر والالحاد مع ضعف يقينهم لأنهم لم يبتلوا بمن يشككهم في دينهم، وأما لو تعرضوا لشبهة قوية في أصل الإسلام أو ثوابته فقد لا يصمد ايمانهم أمام ذلك، كما في هذا النص البديع لابن تيمية رحمه الله:

(( فعامة الناس اذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الاسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان الى قلوبهم انما يحصل شيئا فشيئا، ان أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا الى الجهاد، ولو شككوا لشــكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين؛ بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وان ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب والا صاروا مرتابين وانتقلوا الى نـوع من النفـاق )). 

المؤثر الثالث: ضعف الجانب التعبدي وخاصة أعمال القلوب:

قل أن تجد مسلما اعتنى بقلبه من الناحية الايمانية، وراقب مستوى تعلقه بالله وتوكله عليه وحبه له، واجتهد في تخليصه من دواخل الغل والحسد والكبر الا وهو يعيش لذة ايمانية لا يعدلُها شيء، ولا يفكر مجرد تفكير أن يستبدلها بشـــيء، وأما من افتقد كل ذلك فقد يستهويه أي جاذب آخر.

المؤثر الرابع: ضعف أدوات البحث والتوثيق والمعرفة:

ان شيوع التفكير الناقد عند مجتمع ما، وارتفاع مستوى الأدوات البحثية والعلمية فيه، يجعل من الصعوبة التأثير عليه بأفكار خارجية، والعكس صحيح وهذا ما نلاحظه في قضية انتشار كثير من الشبهات التي لم تكن الوقاية منها تحتاج لأكثر من تفكير ناقد، وتدقيق علمي حتى يبطل تأثيرها. وسيأتي معنا في الكتاب أن من القواعد الوقائية: تكوين العقل الناقد، وتعزيز أدوات البحث العلمي.

المؤثر الخامس: ضعف العلم الشرعي:

عَملتُ استفتاء في دورتين من دورات (كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة ) عن أسباب انتشار الشبهات، فكان من الإجابات التي حظيت بأكبر عدد من الأصوات: ضعف العلم الشرعي عند الشباب.

وجه كون ضعف العلم سببا للتأثر بما قد يطرأ من الشبهات، هو أن التأصيل الشرعي يعطي حامله قاعدة معرفية ومنهجية يستطيع أن يحاكم اليها ما يطرأ على ذهنه من معلومات وتحليلات جديدة، وأما من يفتقد هذه القاعدة المعرفية فإن من السهل وقوعه في الاضطراب المنهجي والسقطات المعرفية الكبرى.

المؤثر السادس: الفراغ الوقتي والذهني والروحي:

أذكر حالة لامرأة أصيبت بوسواس عقدي من أشد ما رأيت وسمعت في حياتي، وقد اجتهدت في اقناعها بطرق التخلص من الوسواس فلم تستجب ذلك، وأظنها ذهبت الى طبيب نفسي أيضا، فلم يغن ذلك شيئا، فأرشده إلى أعمال علمية ومعرفية تقوم بها تملأ وقتها وذهنها – فقد كانت متفرغة تماما-، فكانت النتيجة أفضل وأقرب مما توقعت؛ لقد توقفت أسئلتها التي كانت كالسيل في وقت قياسي جدا، ولست أبالغ في هذا ولا لي حاجة الى ذلك، والمراد أن الفراغ الذهني والروحي يجعل الذهن والقلب عرضة لأي شاغل ولو كان سيئا، وأما من كان وقته ممتلئا، وذهنه وروحه مشبعة بالعلم والعمل والمعرفة والإيمان فهذا عائق وحاجز أمام كثير من الأفكار المنحرفة، والخواطر المقلقة.




السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ النوع الثاني من المؤثرات: عوامل داخلية

معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day