عبدًا لنفسه

هيا محمد عيد
المقال مترجم الى : English

· جميع البشر، حسب آيات القرآن، لديهم إله – حتى لو كان ذلك الإله هو الإنسان ذاته.

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ

(الجاثية 45: 23)

· بعبارة آخرى، لا يوجد ملحد حقيقي (شخص لا إله له). جميع البشر يتخذون لأنفسهم إله. جميع البشر يعبدون شيئًا ويتشبثون به باعتباره محور تقديسهم وعبادتهم وطاعتهم. قد يكون هذا الشيء هو الثروة، أو الممتلكات، أو المتعة، أو المكانة المرموقة، أو القوة، كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ

(رواه البخاري)

وخلاصة القول أنه ليس هناك إنسان ليس له معبود، كل أحد في الدنيا له معبود (يعني: أن من لم يعبد الله؛ فلا بد أن يعبد غيره)، قال الروائي ديفيد فوستر والاس (David Foster Wallace): "لا يوجد في حقيقة الأمر شيء اسمه الإلحاد. لا يوجد شيء اسمه عدم العبادة. الكل يعبد. والخيار الوحيد الذي يتاح لنا هو اختيار ما نعبد".

• وعن نفس المعنى كتب الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي (Dostoevsky)، يقول بتأثر: "العيش بدون الله ليس سوى عذاب ... لا يمكن للإنسان أن يعيش دون أن يركع ... إذا رفض الله، فسيركع أمام صنم من خشب أو من ذهب أو صنم وهمي. هم ليسوا ملاحدة، كلهم عبدة أوثان – هذا ما يجب أن يُطلَق عليهم".

• عبادة المخلوقات، بدلًا من الخالق، تتعارض مع تصميم الخالق سبحانه وتعالى، ومستحيل لها أن تشبع الروح البشرية. الروح، مثلها مثل الطبيعة، تمقت الفراغ. عند حذف الله تعالى من حياة الإنسان، يجب أن يتحرك شيء ما لملء الفجوة وأخذ مكانه. لا شيء محدد قد يسد الفجوة أو يشغل جزءًا منها، مع المحاولات البائسة المستمرة للتغلب على الإحساس الداخلي بالخواء. لكن بالرغم من هذا، وأيًّا كانت البدائل التي يختارها الإنسان لتحل محل الله تعالى في حياته وتخفف ما أصابها من فراغ وخواء وضجر، فإنها تعمل فقط لفترة من الوقت، تمامًا كما تفعل المخدرات والمسكرات، قبل عودة الإحساس بالفراغ من جديد، أشد وأضخم من ذي قبل نتيجة زيادة الوعي، واليقين الكامل، بأن لا شيء يمكن أن يمحو من داخل الإنسان هذا الفراغ المؤلم المتواصل، ويحقق له السعادة والشعور بالرضا عن الحياة. فكل البدائل التي يضعها الإنسان محل الله جل وعلا تؤدي دائمًا إلى الإحباط والقلق. حتى الاستمتاع بالأشياء الجميلة في الحياة لا يمكن أن يكون ممتعًا حقًّا ومرضيًا للنفس البشرية في غياب الله. الله عز وجل وحده القادر على بعث الرضا والارتياح والطمأنينة في قلوب البشر، يقول تعالى: 

أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ

(الرعد 13: 28)

  • البشر مزودون بالقدرة على أن يكونوا على صلة بالله عز وجل؛ لذا جميع أفراد البشر في أعماقهم – في نبض قلوبهم – يريدون الله. فشوق الإنسان واحتياجه إلى خالقه جزء من طبيعة تكوينه النفسي وفطرته التي خُلِق عليها. لهذا السبب، يستحيل، ولن يحدث أبدًا، أن يجد الإنسان السلام النفسي أو أي معنى للحياة أو قيمة أو هدفًا بعيدًا عن خالقه. فما لا يمكن الحصول عليه إلا مع الله، لا يمكن طلبه في شيء أدنى. هذا ما اعترف به الفيلسوف الملحد البريطاني الشهير، برتراند راسل (Bertrand Russell)، في سيرته الذاتية: "بداخلي دائمًا وأبدًا ألم رهيب - ألم غريب متوحش - بحث عن شيء يتجاوز ما يحتويه العالم، شيء متجلٍّ بجلال لا محدود؛ الرؤية السعيدة (Beatific Vision؛ مصطلح في اللاهوت الكاثوليكي يصف الرؤية المباشرة لله التي يتمتع بها المؤمنون في الجنة) – الله. أنا لا أجده، ولا أعتقد أنه من الممكن العثور عليه، لكن حبه (حب الحصول عليه) هو حياتي ... إنه يملأ كل عاطفة لديَّ. إنه الربيع الحقيقي للحياة بداخلي".

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ عبدًا لنفسه

  • من كمال الإيمان

    فريق عمل الموقع

    ·  عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ( لا يُؤْمِنُ

    22/08/2012 1524
  • من كمال الإيمان

    فريق عمل الموقع

      ·     عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه

    17/08/2012 6042
  • عبادة الله باسمه تعالى القريب

    د. أشرف حجازي

    هو الذي قرب من عباده قرباً عاماً بسمعه وبصره وعلمه وقدرته وإحاطته بهم . فهو يحيطهم بعلمه وقدرته وأوامره الكونية

    28/10/2018 648
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day