مفهوم العبادة والخلافة في الأرض

هيا محمد عيد
المقال مترجم الى : English

دور الإنسان كعابد

1. الوجهة: النص القرآني:

إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ

(البقرة 2: 156)

يرسم خريطة الحياة الإسلامية ويعرض أسلوبها المتكامل لرؤية العالم والتجاوب معه، تستمد فيه الحياة، وكل ذرة فيها، الاتجاه والأهمية والغاية عندما يصبح الله تعالى نقطة البداية في حياة الإنسان ونقطة النهاية (الرجوع).

2. الاختيار المصيري: البشر، مثل سائر المخلوقات، يجب بالضرورة أن يكونوا في خدمة شيء ما (أكبر منهم)، وكل إنسان خلال رحلة الحياة سيواجه نفس الاختيار: هل سيكون عبداً لله أم عبداً لآلهة زائفه من صنعه؟ لا بد من أحد الخيارين، لا ثالث لهما! بالإعلان القرآني:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

(الفاتحة 1: 5)

يؤكد الإنسان عبوديته وتوكله على الله وحده، والتحرر والاستقلال من كل ما سواه.

3. القوة الوحيدة في الوجود: عندما ينطق الإنسان شهادة أن "لا إله إلا الله"، هو يسلم نفسه لله تعالى وينقاد لأمره ليس فقط بصفته الخالق، ولكن أيضًا بصفته الإله الواحد، الحق، الولي، الحفيظ، المستعان، الملجأ والملاذ في كل مكروه، الرزاق المتكفل بأرزاق جميع المخلوقات، الموجد للقوانين التي تحكم الكون، صاحب السلطان والقدرة والقوة، من وحده يملك النفع والضر، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والمتفرد بالإيجاد والإعدام، وبالإحياء والإماتة، والإسعاد والإشقاء، والمرض والشفاء. كل ذلك يقتضي على الشخص المسلم إفراد الله تعالى بالعبادة فلا يعبد غيره، ولا يسأل غيره، ولا يستعين بغيره، ولا يرجو أو يخشى أحد سواه. هذا المنهج للحياة تلخصه الآية الكريمة:

حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

(التوبة 9: 129)

4. عبادة تشمل الحياة كلها: يستوجب الإسلام الصحيح دخول النفس فيه بالكامل، بجعل جميع أنشطة الإنسان في هذه الحياة تتفق مع أوامر ربه عز وجل الذي انقاد له، وخضع لمشيئته، والتزم طاعته. الإسلام، لكونه طريقة حياة شاملة ترتقي بالإنسان إلى درجات الكمال، يقدم مفهوم متسع للعبادة اتساع الحياة نفسها، فلا يقتصر على العبادات الشعائرية فحسب، بل يشمل أيضًا السلوك والمهام اليومية العادية. هكذا تصبح الحياة كلها عبادة مادام الدافع وراء كل عمل ونشاط، مهما كان صغيراً، هو النية الخالصة لإرضاء الله عز وجل، ويؤدى طبقًا لشرعه تعالى. يقول الدعاء القرآني: 

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

(الأنعام 6: 162)

يشير الله عز وجل في قوله:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ

(الحجر 15: 42)

إلى أن إفراده بالعبادة يحرر الإنسان من العبودية والخضوع والتذلل لكل معبود باطل

 

دور الإنسان كخليفة في الأرض

1. منزلة خاصة: وفقًا للقرآن الكريم، خلق الله البشر على أفضل هئية، وأكمل صورة، وأعلى القدرات العقلية والحسية والحركية والإبداعية، وميزهم على الكثير من مخلوقاته :

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً

(الإسراء 17: 70)

من حيث العقل والنطق والكتابة.

2. الجميع على قدم المساواة أمام الله تعالى: جميع البشر متساوون، لكل منهم قيمة وكرامة متأصلة وحقوق ثابته. فلا تفاضل بينهم ولا فوارق؛ التمييز الوحيد بينهم لا يكون إلا على أساس التقوى والعمل الصالح، كما أخبر الله تعالى: 

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.﴾

(الحجرات 49: 13)

3. الخلافة في الأرض: كل إنسان يحمل شرف ومسؤولية تحقيق دور خليفة الله في الأرض. هذا الدور المكلف به كل فرد من بني البشر يعني الحفاظ على الأرض وتنميتها وإعمارها وإقامة الحضارة فيها، وهذا بدوره يتطلب تهذيب النفس والاقتداء بصفات الله تعالى (مثل العلم، والسلام، والجود، والرحمة، والعدل) والتمسك بشرعه عز وجل في كافة جوانب الحياة تجاه كل مخلوق.

4. المسؤولية الفردية: يتحمل كل إنسان، ولا أحد غيره، عواقب أفعاله، خيرًا كانت أم شرًا. أكثر ممتلكاته أهمية في رحلة الحياة هي الوقت والمعرفة والقدرة، وعليه استغلال كل منهم أفضل استغلال وتحقيق أكبر استفادة ممكنة لصالح نفسه والآخرين. ويوم القيامة، سوف يسأل الله عز وجل كل إنسان كيف أنفق كل واحدة من تلك الممتلكات.

5. الأمانة: وضع الله عز وجل الأرض، والطبيعة، والمخلوقات في أيد البشر كأمانة هم مسئولون عنها أمامه وليس كممتلكات خاصة؛ وعلى كل فرد حسن استخدام هذه الأمانة لصالح البشرية وكافة المخلوقات بشتى أنواعها الحية وغير الحية. وعندما تنتهي الحياة على وجه الأرض ستكون ضمن المسؤوليات التي سيحاسب الإنسان عليها حسابًا دقيقًا.

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ مفهوم العبادة والخلافة في الأرض

  • من الذي يقرر ما الخطأ و ما الصواب؟

    هيا محمد عيد

    »في عالم بدون إله، من الذي يستطيع أن يقرر أي القيم صحيحة، وأيها خاطئة؟ من الذي يستطيع أن يحكم على القيم التي سار

    11/11/2019 24
  • مفهوم العبادة

    الشيخ محمد بن صالح العثيمين

    هل للعبادة مفهوم يمكن أن نعرفه؟ وهل لها مفهوم عام ومفهوم خاص؟   الشيخ: نعم، مفهومها العام كما أشرت إليه آنفاً

    07/09/2014 2541
  • معنى جمالية الدين

    الشيخ / فريد الأنصاري

    وعندما نقول هنا جمالية الدين فإننا نعني أن الله عز وجل الذي جعل الدين جميلاً، فَصَد أن يكون التدين جميلاً أيضا،

    11/07/2018 784