ويحذركم الله نفسه

د. خالد بن عبدالرحمن الشايع


فيا أيها الإخوة المؤمنون، اتَّعظوا بمواعظ القرآن، واهتدوا بهديه، ففي ذلك الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، ومن جملة المواعظ العظيمة التي تضمَّنها الكتاب العزيز، موضعان في هذا القرآن لم يتكرر لهما نظير، لم يتكرر في غير هذين الموضعين؛ حيث يقول رب العزة سبحانه: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: 28]، تأملوا أيها الإخوة المؤمنون، مَن القائل؟ وبِمَ حذَّر؟ ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾، إن المحذر هو الله جل وعلا، ويحذر سبحانه من نفسه وذاته العلية، وما يكون من غضبه على من أسخطه، وما يكون من عذابه لمن استحقه.

 

وبنحوهما موضع ثالث هو في سورة البقرة وهو قول الله جلَّت قدرتُه: ﴿  وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ  ﴾ [سورة البقرة: 235].

 

جاء هذا التحذير العظيم في سياق آيات سورة آل عمران؛ حيث يقول رب العزة سبحانه: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 28 - 30].

 

تأملوا أيها الإخوة المؤمنون: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾، ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾، إنه تحذير من العليم الخبير القدير، وإن أي عاقل لو حذره إنسانٌ أي إنسان وقال له: احذرك وسأفعل بك ما لا يخطر لك على بال، قالها بحق أو بغير حق، فإن العاقل يأخذ هذا التحذير على محمل الجد، حتى ولو كان الذي حذره وأنذره قادرًا أو غير قادر، محقًّا أو ظالمًا، فما بالكم إذا كان الذي يحذرك هو الله الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، وبكل شيء عليم؟!

 

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في دلالة هذه الآية الكريمة: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا... ﴾ الآية، وفي آخرها: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾؛ يقول رحمه الله: يخبر تبارك وتعالى عباده أنَّه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيطٌ بهم في سائر الأحوال والآناء واللحظات، وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وهو على كل شيء قدير؛ أي: قدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيهٌ منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادرٌ على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظَر مَن أنظَر منهم، فإنه يُمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾؛ يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله، من خير وشر؛ كما قال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة: 13]، فما رأى من أعماله حسنًا سرَّه ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وأغاظه، وود لو أنَّه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء: ﴿ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴾ [الزخرف: 38]، ثم قال تعالى مؤكدًا ومهددًا ومتوعدًا: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾؛ أي: يُخوفكم عقابه، ثم قال مرجيًا لعباده؛ لئلا ييئَسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾.

 

فتأملوا رحمكم الله هذا السياق العظيم من خبر العليم الخبير ووعيده وتحذيره؛ حتى لا يغتر الإنسان بطول الأجل وكثرة الإمهال.

 

تأمل يا عبد الله منذ جرى عليك قلم التكليف، ماذا كان من أعمالك؟ وماذا كان من خيرها وشرها؟ كل ذلك لن يغيب عن رب العزة سبحانه: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء: 47].

 

وهذا يوجب على المؤمن أن يكون كثير المحاسبة لنفسه؛ لأنه ولا بد حاضر أجله، ففي هذا اليوم الذي أصبحناه كم من مُؤمِّل في ليله أن يكون مدركًا معيشته في الدنيا، ولكنه أصبح ليكون قد طوي أجله، وانقضى أمده، وصار من أهل القبور!

 

وهذا اليوم الذي أصبحناه كم من مؤمِّل أن يبلغ مساءه، ولكنه قد كتب في الأجل ألا يمسي مع الأحياء! وهذا أمر مقرر لدى كل الخليقة، لا يستطيع أحد أن يضمن لنفسه ولا لغيره مزيدًا في الأجل، تأمل يا عبد الله أن هذه هي الحال التي تعلمها وتوقن بها، وأنك لا تضمن بلوغ مساءٍ ولا إدراك صباح، ففيمَ التأجيل إذًا؟ ولِمَ التواني إذًا؟ ولِمَ الغفلة؟ والله جل وعلا قد أقام الحجج وأبلغك الإعذار: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]، والله ذكَّرك: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾، قال العلامة السعدي رحمه الله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾؛ أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه، فيعاقبكم على ذلك، ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾؛ أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة، وأخبر جل وعلا عن سعة علمه بما في النفوس خصوصًا، ولما في السماء والأرض عمومًا، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت، فيستحيي العبد من ربه أن يرى قلبه محلًّا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقربه إلى الله من تدبُّر آية من كتاب أو سنة من أحاديث رسول الله، أو تصور وبحث في علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله.

 

نعم أيها الإخوة في الله، ينبغي أن يكون هذا هو هِجِّيراك في كل حين، العمل الصالح الذي يكون باعثه في القلب وما انطوى عليه، فإن هذا القلب إذا صلح، صلح الجسد كله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)، فإذا كان المرء في تأمُّله وتدبُّره كيف يسبق إلى الخير، كان ذلك باعثًا له على فعله، أما أن ينطوي القلب ويتتابع الفكر على الآثام، فإنه ولا بد واقع فيها، ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾: استحضرها يا عبد الله في كل شيء تعزم عليه، فإن كان مما يرضي ربك، فأقدم عليه واستبشر بالخير في الدنيا والآخرة، وإن كان مما يسخط الله، فأنت مؤمن تعرف الحلال وتنكر الحرام، فواجب عليك أن تكف؛ لأنك ولا بد ستجد ذلك في يوم لا تخفى فيه على الله خافية: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ هذا الخير أيًّا كان، وهو كما يقول العلماء: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها، كما أن السوء: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾، والسوء كما يقول العلماء: اسم جامع لكل ما يسخط الله جل وعلا من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها، فهذا الخير الذي عزم عليه قلبك وعملته جوارحك، سوف تراه أحوج ما تكون إليه، محضرًا بين يديك، فتسرُّ بذلك نفسك وتبتهج بذلك روحك، بينما إذا عُرضت تلك الأعمال السيئة من صحائفك تتمنى الأماني: ﴿ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾؛ أي: مسافة عظيمة لشدة الأسف والحزن على ما اقترفته في الدنيا، ولذلك يكون قول قائلهم، عياذًا بالله من هذا في ذلك المشهد العظيم! ﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾، ويتمنى الذين اقترفوا الموبقات؛ كما أخبر الله عنهم: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ﴾، وكما أخبر الله عنهم: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾ [الفرقان: 27، 28].

 

هكذا تتابع الحسرات في هذا المشهد العظيم، ولكن ولات حين مندم، ولات حين مناص، فقد أقام الله الحجج وبلغ الإعذار لكل من جرى عليه قلم التكليف: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾.


﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾، فما أعظمه من تحذير! وما أبلغه من وعيد! وإنما يستشعره من استشعر تمام الآية ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾، فيعلم أنه موقوف بين يدي ربه، فحينئذ يحاسب نفسه أشد المحاسبة على ما تأتي وما تذر، ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾، فمن مظاهر رأفته ورحمته جل وعلا أنه حذَّر عباده قبل أن يعاقبهم، وأخبرهم أنه يعفو عن كثير من ذنوب عباده، وأنه فتح لهم باب التوبة؛ حتى يقلعوا عن خطاياهم، والأمر كما قال رب العزة سبحانه: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾ [فاطر: 45].



فحريٌّ بالمؤمن أن يكون مستحضرًا لهذا التحذير الرباني، وهذا التذكير الإلهي وهذه الموعظة القرآنية، وليعلم أنه تحذير له ما بعده، فهو تحذير من عليم قدير محيط بكل شيء، وأنه سبحانه لا يعبأ بمن أسخطه، وبمن لم يستحضر مراقبته جل وعلا، فإن الله سبحانه يحب من عباده الإيمان، ويكره منهم الكفر والعصيان، ولكنه غني عنهم، فلا تنفعه طاعة مطيع، ولا تضره معصية عاصٍ؛ كما قال سبحانه فيما رواه عنه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي إنما هي أعمالكم أُحصيها عليكم، ثم أُوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلومَنَّ إلا نفسه).


 فنسأله جل وعلا أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام؛ حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه، وحتى نستقيم على ما يرضاه ونحبه.

مقالات مرتبطة بـ ويحذركم الله نفسه

  • هل يشتق من كل صفات الأفعال أسماء أم أسماء الله كلها توقيفية؟

    حافظ بن أحمد الحكمي

    السؤال الثالث و الستون : هل يشتق من كل صفات الأفعال أسماء أم أسماء الله كلها توقيفية؟ الإجابة : لا بل أسماء الله

    01/05/2018 608
  • السبيل لكي نكون مع القرآن

    الشيخ محمد مختار الشنقيطي

    إخواني! كيف السبيل لكي نكون مع القرآن؟ وكيف الطريق لكي نكون قريبين من القرآن؟ لنا مع هذا القرآن جفوة والله لا تليق

    27/01/2015 224
  • هَضْم النفس

    حماد بن محمد العروان

    عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعتُ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطًا فسمعتُه يقول

    28/04/2018 589