هل القرآن نزل من عند الله؟

هل القرآن نزل من عند الله؟

فريق عمل الموقع

قد تسألني فتقول : إنه كتاب قيم ..

و لكن لماذا لا يكون من تأليف محمد ؟ ..

إن رجلاً في عظمة محمد لا يستغرب منه أن يضع كتاباً في عظمة القرآن ..

سوف يكون هذا منطقياً أكثر من أن نقول إن الله أنزله .

فإنا لم نر الله ينزل من السماء شيئاً ..

و نحن في عصر من الصعب أن نقنع فيه إنساناً بأن هناك ملاكاً اسمه جبريل نزل من السماء بكتاب ليوحي به إلى أحد .

وأجيبك بكل صدق:

بل نحن في عصر يسهل فيه تماماً أن نصدق بأن هناك ملائكة لا ترى ، و بأن الحقائق يمكن أن تلقى إلى الإنسان وحياً ..

فهم يتكلمون اليوم عن أطباق طائره تنزل على الأرض ...

كواكب بعيدة و أشعة غير منظورة تقتل ، و أمواج لاسلكية تحدد الأهداف و تضربها ..

وصور تتحول إلى ذبذبات في الهواء ثم تستقبل في أجهزة صغيرة كعلب التبغ ..

و كاميرات تصور الأشباح ..

و عيون ترى في الظلام ..

ورجل يمشى على القمر ..

و سفينة تنزل على المريخ ..

إذن لم يعد غريباً أن نسمع أن الله أرسل ملكاً خفياً من ملائكته..

وأنه ألقى بوحيه على أحد أنبيائه ..

لقد أصبح وجود جبريل اليوم حقيقة من الدرجة الثانية ..

وأقل عجباً و غرابة مما نرى و نسمع كل يوم .

أما لماذا لا نقول إن القرآن من تأليف محمد عليه الصلاة و السلام ..

فلأن القرآن بشكله و عباراته و حروفه و ما احتوى عليه من علوم و معارف و أسرار و جمال بلاغي و دقة لغوية هو مما لا يدخل في قدرة بشر أن يؤلفه ..

فإذا أضفنا إلى ذلك أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان أمياً ، لا يقرأ و لا يكتب و لم يتعلم في مدرسة و لم يختلط بحضارة ، و لم يبرح شبه الجزيرة العربية ، فإن احتمال الشك و احتمال إلقاء هذا السؤال يغدو مستحيلاً ..

والله يتحدى المنكرين ممن زعموا أن القرآن مولف :

{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }

[البقرة23].

استعينوا بالجن و الملائكة وعباقرة الإنس وأتوا بسورة من مثله و مازال التحدي قائماً و لم يأت أحد بشيء …

إلا ببعض عبارات مسجوعة ساذجة سموها “سورة من مثله”…

أتى بها أناس يعتقدون أن القرآن مجرد كلام مسجوع ..

ولكن سورة من مثله..

أي بها نفس الإعجاز البلاغي و العلمي ..

وإذا نظرنا إلى القرآن في حياد و موضوعية فسوف نستبعد تماماً أن يكون محمد عليه الصلاة و السلام هو مؤلفه .

أولاً : لأنه لو كان مؤلفه لبث فيه همومه و أشجانه ، و نحن نراه في عام واحد يفقد زوجه خديجة و عمه أبا طالب و لا سند له في الحياة غيرهما ..

وفجيعته فيهما لا تقدر ..

و مع ذلك لا يأتي لهما ذكر في القرآن و لا بكلمة ..

وكذلك يموت ابنه إبراهيم و يبكيه ، و لا يأتى لذلك خبر في القرآن ..

القرآن معزول تماماً عن الذات المحمدية .

بل إن الآية لتأتي مناقضة لما يفعله محمد و ما يفكر فيه ..

و أحياناً تنزل الآية معاتبة له كما حدث بصدد الأعمى الذي انصرف عنه النبي إلى أشراف قريش :

{عَبَسَ وَتَوَلَّى{1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى{2} وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى{3} أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى{4}}

[عبس: 1- 4].

وأحياناً تنزل الآية فتنقض عملاً من أعمال النبي :

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

[الأنفال: 67].

و أحياناً يأمر القرآن محمد بأن يقول لأتباعه ما لا يمكن أن يقوله لو أنه كان يؤلف الكلام تأليفاً،

قال تعالى  :

{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ }

[الأحقاف: 9].

لا يوجد نبي يتطوع من تلقاء نفسه ليقول لأتباعه لا أدرى ما يفعل بي و لا بكم .. لا أملك لنفسي ضراً و لا نفعاً .. و لا أملك لكم ضراً و لا نفعاً .

فإن هذا يؤدى إلى أن ينفض عنه أتباعه ..

و هذا ما حدث فقد اتخذ اليهود هذه الآية عذرا ليقولوا .. ما نفع هذا النبي الذي لا يدرى ماذا يفعل به و لا بنا .. هذا رجل لا جدوى فيه .

مثل هذه الآيات ما كان يمكن أن يؤلفها النبي لو كان يضع القرآن من عند نفسه .

ثانياً : لو نظرنا بعد ذلك في العبارة القرآنية لوجدنا أنها جديدة منفردة في رصفها و بنائها و معمارها ليس لها شبيه فيما سبق من أدب العرب و لا شبيه فيما أتى لاحقاً بعد ذلك ..

حتى لتكاد اللغة تنقسم إلى شعر و نثر و قرآن ..

فنحن أمام كلام هو نسيج وحده لا هو بالنثر و لا بالشعر .

ثالثاً : إذا مضينا في التحليل أكثر فإنا سنكتشف الدقة البالغة و الإحكام المذهل ..

كل حرف في مكانه لا تقديم و لا تأخير ..

لا تستطيع أن تضع كلمة مكان كلمة ، و لا حرفاً مكان حرف ..

كل لفظة تم اختيارها من مليون لفظة بميزان دقيق .

و سنرى أن هذه الدقة البالغة لا مثيل لها في التأليف ..

انظر إلى هذه الكلمة ” لواقح ”

في الآية :

{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ }

[الحجر22].

و كانوا يفسرونها في الماضي على المعنى المجازي بمعنى أن الرياح تثير السحب فتسقط المطر فيلقح الأرض بمعنى ” يخصبها ” ثم عرفنا اليوم أن الرياح تسوق السحب إيجابية التكهرب و تلقي بها في أحضان السحب سالبة التكهرب فيحدث البرق و الرعد والمطر ..

و هي بهذا المعنى “لواقح ” أيضا ، و نعرف الآن أيضاً أن الرياح تنقل حبوب اللقاح من زهرة إلى زهرة فتلقحها بالمعنى الحرفي ، وإن عرف أخيراً أن المطر لا يسقط إلا بتلقيح قطيرات الماء بذرات الغبار فتنمو القطيرات حول هذه الأنوية من الغبار و تسقط مطراً ..

فها نحن أولاء أمام كلمة صادقة مجازياً و حرفياً وعلمياً ، ثم هي بعد ذلك جميلة فنياً و أدبياً و ذات إيقاع حلو .

هنا نرى منتهى الدقة في انتقاء اللفظة و نحتها ، و في آية أخرى

{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }

[البقرة188].

كلمة ” تدلوا “.مع أن الحاكم الذي تلقى إليه الأموال في الأعلى و ليس في الأسفل .. لا .. إن القران يصحح الوضع ، فاليد التي تأخذ الرشوة هي اليد السفلى و لو كانت يد الحاكم .. و من هنا جاءته كلمة ” تدلوا بها إلى الحكام ” لتعبر في بلاغة لا مثيل إلا عن دناءة المرتشي و سفله .

و في آية الجهاد

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ }

[التوبة38].

القرآن يستعمل كلمة ” اثَّاقلتم ” بدلا من تثاقلتم ..

يدمج الحروف إدماجاً ، و يلصقها إلصاقاً ليعبر عن جبن الجبناء الذين يلتصقون بالأرض (و يتربسون ) فيها من الخوف إذا دعوا إلى القتال ، فجاءت حروف الكلمة بالمثل (متربسة).

و في آية قتل الأولاد من الفقر نراها جاءت على صورتين :

{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }

[الأنعام:151]

،

 {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً }

[الإسراء:31]

،  و الفرق بين الآيتين لم يأتي اعتباطاً ، و إنما جاء لأسباب محسوبة ..

فحينما يكون القتل من إملاق فإن معناه أن الأهل فقراء في الحاضر ، فيقول : نحن ( نرزقكم ) وإياهم .

وحينما يكون قتل الأولاد خشية إملاق فإن معناه أن الفقر هو احتمال في المستقبل و لذا تشير الآية إلى الأبناء فتقول نحن “نرزقهم ” و إياكم .

مثل هذه الفروق لا يمكن أن تخطر على بال مؤلف ..

و في حالات التقديم و التأخير نجد دائماً أنه لحكمة ، نجد أن السارق مقدم على السارقة في آية السرقة ، في حين أن الزانية مقدمة على الزانى في آية الزنى ..

و ذلك لسبب واضح ، أن الرجل أكثر إيجابية في السرقة ..

أما في الزنى فالمرأة هي التي تأخذ المبادرة ، من لحظة وقوفها أمام المرآة تضع ” البارفان ” و لمسات ” التواليت ” و تختار الفستان أعلى الركبة فإنها تنصب الفخاخ للرجل الموعود .

(الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )

( و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما)

 و بالمثل تقديم السمع على البصر في أكثر من 16 مكاناً

( و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة )

( و جعلنا لكم سمعا و أبصارا و أفئدة )

(أسمع بهم وأبصر)

( إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

( و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم و لا أبصاركم )

( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير)

دائما السمع أولاً . و لا شك أن السمع أكثر إرهافاً و كمالاً من البصر ..

إننا نسمع الجن و لا نراه ..

والأنبياء سمعوا الله و كلموه و لم يره أحد .

وقد تلقى محمد القرآن سمعاً ..

والأم تميز بكاء ابنها في الزحام و لا تستطيع أن تميز وجهه ..

والسمع يصاحب الإنسان أثناء النوم فيظل صاحياً في حين تنام عيناه ، و من حاول تشريح جهاز السمع يعلم أنه أعظم دقة و إرهافاً من جهاز البصر .

و بالمثل تقديم المال على الولد  :

{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{89}}

[الشعراء:88، 89]

،

{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }

[التغابن15]

،

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

[آل عمران116].

( أيحسبون أن ما نمدهم به من مال و بنين ، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون )

( فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد ألله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا )

( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته )

و الأمثلة على هذا التقديم كثيرة و السر أن المال عند أكثر الناس أعز من الولد ..

ثم الدقة و الخفاء و اللطف في الإعراب . انظر إلى هذه الآية :

( و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)

مرة عوملت الطائفتان على أنهما جمع “اقتتلوا” ومرة على أنهما مثنى “فأصلحوا بينهما” والسر لطيف ..

فالطائفتان في القتال تلتحمان وتصبحان جمعاً من الأذرع المتضاربة ..

في حين أنهما في الصلح تتفصلان إلى اثنين ..

وترسل كل واحدة عنها مندوباً ، و من هنا قال : و إن طائفتان من المؤمنين “اقتتلوا” فأصلحوا “بينهما”! حتى حروف الجر و الوصل و العطف تأتى و تمتنع في القرآن لأسباب عميقة ، و بحساب دقيق محكم ..

مثلاً تأتي كلمة “يسألونك ” في أماكن عديدة من القرآن:

(يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)

( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي )

( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج)

دائماً الجواب بكلمة “قل “.. و لكنها حين تأتى عن الجبال :

( و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً )

  هنا لأول مرة جاءت “فقل” بدلاً من “قل “..

والسبب أن كل الأسئلة السابقة كانت قد سئلت بالفعل ، أما سؤال الجبال فلم يكن قد سئل بعد ، لأنه من أسرار القيامة ، و كأنما يقول الله : فإذا سألوك عن الجبال “فقل “.. فجاءت الفاء زائدة لسبب محسوب ..

أما في الآية :

(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع )

هنا لا ترد كلمة “قل ” لأن السؤال عن ذات الله ..

و الله أولى بالإجابة عن نفسه ..

كذلك الضمير أنا و نحن .

يتكلم الله بضمير الجمع حيثما يكون التعبير عن “فعل ” إلهي تشترك فيه جميع الصفات الإلهية كالخلق ، و إنزال القرآن و حفظه:

(إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون )

( نحن خلقناكم فلولا تصدقون )

( إنا أنزلناه في ليلة القدر)

( أفرأيتم ما تمنون ، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون )

( نحن خلقناهم و شددنا أسرهم و إذا شئنا بدلنا أمثالم تبديلا)

.

“ونحن ” هنا تعبر عن جمعية الصفات الإلهية و هي تعمل في إبداع عظيم مثل عملية الخلق .

أما إذا جاءت الآية في مقام مخاطبة بين الله وعبده كما في موقف المكالمة مع موسى ..

تأتي الآية بضمير المفرد

( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى )

الله يقول : “أنا” لأن الحضرة هنا حضرة ذات ، و تنبيها منه سبحانه على مسألة التوحيد و الوحدانية في العبادة .

و نجد مثل هذه الدقة الشديدة في آيتين متشابهتين عن الصبر تفترق الواحدة عن الأخرى في حرف اللام .. يقول لقمان لولده :

(و اصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور).

و في آية أخرى عن الصبر نقرأ:

( و لمن صبر و غفر إن ذلك لمن عزم الأمور)

الصبر في الأولى “من عزم الأمور” و في الثانية ” لمن عزم الامور”..

و سر التوكيد باللام في الثانية أنه صبر مضاعف ، لأنه صبر على عدوان بشري لك فيه غريم ، و أنت مطالب فيه بالصبر و المغفرة و هو أمر أشد على النفس من الصبر على القضاء الإلهي الذي لا حيلة فيه ..

و نفس هذه الملاحظة عن “اللام ” نجدها مرة أخرى في آيتين عن إنزال المطر و إنبات الزرع  :

(أفرأيتم الماء الذي تشربون ، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ، لو نشاء جعلناه أجاجا )

، “أي مالحا و في آية ثانية :

(أفرأيتم ما تحرثون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ، لو نشاء لجعلناه حطاما)

 في الآية الأولى “جعلناه ” أجاجا..

و في الآية الثانية “لجعلناه ” حطاما واللام جاءت في الثانية لضرورة التوكيد ، لأن هناك من سوف يدعى بأنه يستطيع أن يتلف الزرع كما يتلفه الخالق ، و يجعله حطاما ..

في حين لن يستطيع أحد من البشر أن يدعى أن في إمكانه أن ينزل من سحب السماء مطرا مالحا فلا حاجة إلى توكيد باللام ..

و نفس هذه الدقة نجدها في وصف إبراهيم لربه في القرآن بأنه

(الذي يميتنى ثم يحيين *والذي هو يطعمنى و يسقين )

.

فجاء بكلمة”هو” حينما تكلم عن “الإطعام ” ليؤكد الفعل الإلهي ، لأنه سوف يدعي الكل أنهم يطعمونه .. و يسقونه ، على حين لن يدّعي أحد بأنه يميته و محييه كما يميته الله ويحييه .

و نجد هذه الدقة أيضاً حينما يخاطب القرآن المسلمين قائلاً:

( اذكروني أذكركم)

 و يخاطب اليهود قائلاً :

(اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم)

فاليهود ماديون لا يذكرون الله إلا في النعمة و الفائدة والمصلحة و المسلمون أكثر شفافية و يفهمون معنى أن يذكر الله لذاته لا لمصلحة ..

و بنفس المعنى يقول الله للخاصة من أولى الألباب:

( اتقوني يا أولى الألباب )

(و يقول للعوام) :

( اتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة )

لأن العوام لا يردعهم إلا النار ، أما الخاصة فهم يعلمون أن الله أقوى من كل نار ، و أنه يستطيع أن يجعل النار برداً و سلاماً إن شاء .

و نجد مثل هذه الدقة البالغة في اختيار اللفظ في كلام إبليس حينما أقسم على ربه قائلاً:

(  فبعزتك لأغوينهم أجمعين )

أقسم إبليس بالعزة الإلهية و لم يقسم بغيرها ، فأثبت بذلك علمه و ذكاءه ، لأن هذه العزة الإلهية هي التي اقتضت استغناء الله عن خلقه ، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر، و لن يضروا الله شيئاً ، فهو العزيز عن خلقه ، الغني عن العالمين .

هذه بعض الأمثلة للدقة البالغة و النحت المحكم في بناء العبارة القرآنية و في اختيار الألفاظ واستخدام الحروف لا زيادة و لا نقص ، و لا تقديم و لا تأخير ، إلا بحساب و ميزان ، و لا نعرف لذلك مثيلاً في تأليف أو كتاب مؤلف ، و لا نجده إلا في القرآن .

مقالات مرتبطة بـ هل القرآن نزل من عند الله؟