هكذا الحياة الدنيا

الشيخ / خالد بن عثمان السبت

إذا رأيت الربيع و أعجبك و استهواك نباته و خضرته و نضارته و أزهاره.. فكر فيه بعد شهور.. كيف يضمحل و يتلاشى و يتحول إلى هشيم تذروه الرياح..


فهكذا الحياة الدنيا.. تبهج الإنسان.. يبني فيها بيتاً و يؤثث هذا البيت بأحسن الأثاث و يعجب به ثم بعد ذلك.. تمر الأيام ثم يبدأ يظهر له من عوراته و عيوبه ما لم يكن يتفطن له بل يزهد فيه و يمل هذا الشيء و تتوق نفسه إلى أمور أخرى و هكذا بلا انقطاع و الواقع أن الإنسان لا يُشبع نهمته إلا الجنة فمهما حصلت من متاع الدنيا فإن ذلك يصير إلى ملل فيزهده الإنسان و يمل منه و يبحث عن غيره و إن لم تعط شيئاً من ذلك فانظر إلى الذين أُعطوا منه و اسألهم سيقولون هذا البيت نحن نفكر أن نبيعه.. نحن نفكر أن نغيره.. هذا البيت فيه من العيوب كذا و كذا و كذا..نحن نتوق إلى حي أفضل..نحن نتوق إلى أثاث أحسن.. نحن نتوق إلى أمور أكبر..و لو بنوها لتاقت نفوسهم إلى غيرها و زهدوا فيما تاقوا إليه أولاً و هكذا دائماً.. 



فكر في هذا.. هذه  طبيعة الحياة الدنيا.. فكر في لذاتك منصرمة و شهواتك و فكر في أتعابك.. هذا الإنسان الذي صادفته في وقت السحر و رأيته يأكل لأنه سيصوم ذلك اليوم تطوعاً و أنت لم تصم.. هذا الحدث مضى عليه شهور أو سنوات هل بقي من تعبه شيء؟ لو أنك صمت هذا اليوم؟ أيسرك صيامه؟ اللذات التي تأكلها و تتمتع بها و تلهوا.. أين هي؟ و إن كانت مباحة فضلاً عن الأمور المحرمة ، الناس الذين قضوا أعمارهم و شبابهم في ألوان المتع الباحة و المحرمة لو جئنا بواحد منهم الآن و قلنا له أخرج لنا الآن ما عند من المتع التي تتلذذ بها هذه الساعة.. ليس عنده منها شيء بل ليس عنده منها إلا الألم و الحسرة و الوحشة تصرمت و ذهبت..


 و هذا الإنسان الآخر الذي يجلس بجواره قد قضى العمر في الصيام و القيام و الذكر و قراءة القرآن ماذا بقي من أتعابه؟ في السنة الماضية أو التي قبلها أو التي قبلها إذا كان صاحب لك يصوم يوماً و يفطر يوم ثم بعد ذلك انقضى العام و لم تفعل فعله.. اجلس معه و انظر ماذا بقي عنده من التعب؟؟ ماذا نقصه من أعضاء الجسد؟.. لم ينقه شيء و لم يبقى له من التعب شيء و إنما أورثه ذلك ارتياضاً على الطاعة و انشراحاً في الصدر و أنساً بالله عز و جل إضافة إلى ما له من أجر عند الله تبارك و تعالى..


 و أنت ماذا أغنت عنك تلك الأيام التي فرطت فيها؟؟ ماذا أغنت عنك؟ كم نمت الليالي؟ ماذا أغنى عنك هذا النوم؟ هذا أمر ينبغي أن نخاطب به أنفسنا و أن نفكر فيه جيداً و يقول الإنسان لنفسه: إلى متى هذا التفريط؟؟ ! هل ستستمر على هذا التفريط؟! هذا الإنسان الذي لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس إذا قام للعمل و يقول سأغير من واقعي لو سأل نفسه: كم مضى عليه من العمر و هو على هذه الحال؟ قد يجد أن الجواب محرجاً.. قد يكون مضى عليه عشرون سنة أو ثلاثون سنة أو أربعون سنة إذا سيمضي باقي العمر على هذه الطريقة.. انظر في عامك المنصرف - و نحن الآن في آخر العام - هل أنت راض عن عملك فيه و جدك في طاعة الله عز و جل و تحصيل معالي الأمور من العلم النافع و العمل الصالح.. هل أنت راض؟



حاسب نفسك.. و هل ستستمر على هذا النمط في العام القادم؟ فكر في خمس سنوات مضت.. العمر قصير.. فكر في خمس سنوات مضت.. أجري دراسة عليها.. هل الحال التي كنت فيها هي حال مرضية؟؟ هل يمكن بهذا النمط من العمل خلال خمس سنوات تصل إلى مطلوبك من العلم و العمل و رضوان الرب جل جلاله أو أنك تحتاج إلى المزيد و إصلاح الوضع و الحال؟ فكر في هذا.. فكر فيما مضى من العمر منذ أن بلغت سن التكليف إلى الآن.. هذا الوضع هو الذي يسرك في القبر؟؟ إذا كان الجواب بلا فابدأ حياة أخرى هؤلاء الذين يُصلى عليهم في كل فرض يتمنون ذلك فمادام أيها الإخوة و الأخوات هذا النفس يتردد فعليك أن تبادر. فكر في الغنى و الفقر.. الغنى و الفقر.. الناس كثير منهم يتوق إلى أن يكون غنياً.. ماذا عسى أن تفعل..



هل تستطيع أن تشرب اثنتين من هذه دفعة واحدة؟ قد لا تستطيع.. و لو شربته لتضررت.. لو أنك تملك مصانع الأرض من الملابس إذا لبست ثوبين ضحك عليك الناس و تأذيت من شدة الحر و الضيق و تضجر من هذا إذن ماذا عسى أن تصنع بهذه المصانع؟ الطعام.. ما هو القدر الذي يكفي للإنسان ..ما هو القدر الذي يكفيه.. كم يكفيك؟ كم من اللقم؟ كم من التمرات كما قدر عمر بن عبد العزيز لبني أمية ، كم يكفيك في اليوم؟ أخرج له كفاً من تمر قال يكفي هذا الإنسان في يومه قال: لا أدري فزاده فقال: يكفي هذا قال: نعم و زيادة قال: فعلى أي شيء يهلك نفسه. على أي شيء يهلك نفسه؟؟ يتهافت على الدنيا و يستميت و إذا فتح مصنعاً للأثاث فكر في مصنع لمواد البناء و إذا فتح مصنعاً للبناء فكر في فتح مصنع للخشبيات و إذا فتح مصنع للخشبيات فكر في فتح مصنع للحديد و إذا فتح مشروعاً في هذا فكر أن يفتح مطعماً ثم يفتح صالة أفراح ثم يفتح مكتبة ثم يفتح... ثم يفتح ثم يفتح.. إلى أي شيء؟ يقول لنحتاط قد يخسر هذا المشروع.. أبشر فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها و أجلها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب..

مقالات مرتبطة بـ هكذا الحياة الدنيا

  • القرآن طريق للحيـاة الطيبة

    الشيخ سفر الحوالي

    لا شك أننا جميعاً نريد لأنفسنا وللمسلمين -كافة- حياة طيبة في الدنيا والآخرة، ولا شك أن الرائد إلى بيان كيفية هذه

    15/09/2013 3247
  • المشهد الرابع: في جمالية الحياة الآخرة

    الشيخ / فريد الأنصاري

    الحياة الآخرة هذا المقابل للحياة الدنيا. فكلاهما حياة، ولكن شتان شتان بين الماء والزلال والسراب الهارب بين

    26/07/2018 270
  • حياء الصحابة رضوان الله عليهم

    الشيخ محمد المنجد

    عثمان رضي الله عنه أشد الأمة حياءً بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: (الحياء ملءٌ من الإيمان، وأحيا أمتي

    11/11/2013 1438