نحو حركة تصحيحية في مجال المرأة

نحو حركة تصحيحية في مجال المرأة

د. فريد الأنصاري

إنني أدعو إلى حركة تصحيحية في مجال المرأة – كما في غيره من المجالات – حركة تنفي عنها تحريف الغَالِين، وانتحال المُبْطِلين، وتأويل الجاهلين! وترتقي بنموذج التدين في النساء المسلمات؛ إلى قمة الإنتاج الرفيع جودةً ووفرةً! على مستوى النفس وعلى مستوى الصورة؛ عسى أن يكون ذلك بدء ميلاد جديد، لجيل النصر القرآني، فقها وتدينا. ذلك الجيل الذي ذكره الله في القرآن الكريم، وأخبر بسيمائه ودلالاتها التعبيرية العظيمة، في التوراة وفي الإنجيل، ثم في القرآن، فقال سبحانه:

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا. سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ. وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)(الفتح:29).

تلك سيماء جيل النصر، فاقرأ وتدبر!

من هنا إذن؛ وباعتبار هذه الحيثيات وغيرها؛ أسرعت في إخراج هذه الورقات؛ إسهاما مني في إنقاذ الأمة، وضربا في اتجاه إعادة التوازن للعمل الديني، ورغبة في فضح خلفيات الفجور السياسي، في مجال المرأة خاصة، وكشف جذوره الشيطانية، وطبيعته العدوانية، ثم التعاون على بناء النموذج الإسلامي للفتاة المؤمنة، وللجيل الراشد الصالح تبعا بحول الله. فكانت لذلك هذه الورقة تتضمن – بعد هذه المقدمة – مدخلا اصطلاحيا في مفهوم السيماء، وفصلين اثنين: الأول في المرأة وسيماء النفس، ناقشت فيه قضيتين في مبحثين: المبحث الأول في المرأة والنفس الواحدة، والمبحث الثاني في السيماء التربوية لنفسية المرأة. وأما الفصل الثاني فكان في المرأة وسيماء الصورة. ناقشت فيه هو أيضا قضيتين في مبحثين: المبحث الأول حاولت أن أدرس فيه سيماء الصورة في التدافع الحضاري، والمقصود بـ(الصورة) هنا: الشكل الظاهري للمرأة، مما يشكل هيأتها الخارجية، من أمور لباسها وتصرفها الصوري، كلاما وحركة في المجتمع. والمبحث الثاني لخصت فيه التأصيل الفقهي لسيماء الصورة في الإسلام. ثم جمعت خلاصة الورقة كلها في خاتمة قصيرة.

هذا وقد آلينا على أنفسنا في ذلك كله - كما هو معهود منهجنا – أن نستثمر الخطاب القرآني أولا؛ لتعبير (سيمياء) المرأة وكشف دلالته. فالقرآن هو مصدر تعبير الرموز السيميائية في الإسلام؛ إذ هو مرتكز الرسالة الإلهية وأساس مقاصدها، وأن نشفعه بالبيانات السنية المكيفة للنموذج البشري على وفقه. فإنما (كان خلقهeالقرآن)([1])، وألا نورد لذلك من الحديث إلا ما صح سنده، فلا نبني حكما شرعيا على حديث ضعيف؛ بله أن يكون موضوعا. والله المستعان.

وكتبه عبد ربه راجي عفوه وغفرانه، الفقير إلى رحمته ورضوانه: فريد بن الحسن الأنصاري الخزرجي السجلماسي، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين. وقد وافق تمام تبييضه وتصحيحه - بمكناسة الزيتون، من حواضر المغرب الأقصى – ليلة الجمعة 24 من شهر رمضان المعظم، لعام: 1423هـ/ 29/11/2002م.

 

مدخل اصطلاحي في مفهوم السِّيمَاء

 

السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد، كما سيأتي بيانه. لكنا اخترنا عنونة هذا الكتاب بالسِّيمَاء، لأنه اللفظ القرآني أساسا. فقد ورد في كتاب الله، لكن مقصورا غير ممدود، أي بلا همز هكذا: (سِيمَى). قال تعالى:

(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ السُّجُودِ)(الفتح:29)

. وقال سبحانه:

(تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُم)(البقرة:273)

. إذ هو يقصر ويمد. لكنا قد نستعمل أحدهما بدل الآخر على سبيل الترادف اللغوي والمفهومي، في السياق العام من هذه الدراسة. وفي مثل هذا قيل: "لا مشاحة في الاصطلاح".

والإنسان من حيث هو كائن وجودي له سيماؤه الخاصة. وداخل هذا المفهوم (للإنسان) نجد المرأة كالرجل، لها نفس وصورة، ولكل منهما سيماء خاصة! و للإسلام تصوير متميز لسيماء النفس، ولسيماء الصورة. وذلك ما أحببنا أن نعرض من خلاله قضية المرأة في الإسلام. لكن لابد قبل ذلك من بيان المفهوم الخاص بمصطلح السيماء، في التراث اللغوي العربي والإسلامي، الذي نصوغ من خلاله قضايا هذه الورقة. ولن نُعْنىَ بالسيمياء في الاصطلاح اللساني الغربي الحديث، فذلك مجال آخر. وهو – علاوة على أننا لسنا مؤهلين للبحث فيه نظريا – ليس قصد هذا البحث أصالة، وإن كانت تربط بيننا وبينه صلة ما تبعا، هي صلة (العلامة) من حيث المفهوم الوجودي العام. ولذلك فسنبقى بعيدين عنه، قريبين منه؛ بما نمارسه من تطبيقات للنصوص الشرعية، في بيان دلالة المرأة الرمزية في الإسلام، على المستوى النفسي والجسمي.

ويرجع لفظ السيماء أو السيمياء في اللغة العربية إلى معنى العلامة، أو الرمز، الموضوع للتخاطب قصدا. وهو يستعمل – كما ذكرت - بياء مفتوحة وممدودة بعد الميم المكسورة، فينطق (سِيمِيَاء)، ويستعمل بدونها فينطق (سِيمَاء)، وكلاهما في المعنى رديف صاحبه. يقول ابن فارس في مادة (وسم): (الواو والسين والميم: أَصْلٌ واحدٌ، يدل على أثَرٍ ومَعْلَمٍ. ووَسَمْتُ الشيءَ وَسْماً: أثَّرْتُ فيه بِسِمَة. والوَسْمَى: أول المطر؛ لأنه يَسِمُ الأرضَ بالنبات (...) وسمي مَوْسِمُ الحج موسما؛ لأنه مَعْلَمٌ يجتمع إليه الناس. وفلان مَوْسُومٌ بالخير. وفلانة ذات مِيسَمٍ: إذا كان عليها أثر الجمال. والوَسَامَةُ: الجمال (...) وقوله تعالى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ" (الحجر:75): الناظرين في السِّمَةِ الدَّالَّة.)(السيماء والسيمياء: العلامة. قال الشاعر:

" له سِيمِيَاءٌ لا تشق على البصر "

وقال تعالى:

"سيماهم في وجوههم من أثر السجود"(الفتح:29)

، وقد سَوَّمْتُه أي: أعلمته. وقوله عز وجل في الملائكة: "مُسَوَّمين" (آل عمران:125)، أي: معلَّمين. و"مسوِّمين" معلِّمين لأنفسهم، أو لخيولهم، أو مُرسِلين لها، وروي عنه عليه السلام أنه قال: "تَسَوَّمُوا فإن الملائكة قد تَسَوَّمَتْ")(.

وجاء في مختار الصحاح: (السَّوْمَةُ بالضم: العلامة تجعل على الشاة، وفي الحرب أيضا. تقول منه تَسَوَّمَ. وفي الحديث "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت". والخيلُ المُسَوَّمةُ: المرعية، والمسَوَّمَةُ أيضا: المعلَّمَةُ. وقوله تعالى: "مسوِّمين" قال الأخفش: يكون معلِّمين، ويكون مرسِلين، من قولك: سَوَّمَ فيها الخيل أي أرسلها. ومنه السَّائِمةُ (...) وقوله تعالى: "حجارةً من طين مسوَّمةً": أي عليها أمثال الخواتيم. والسِّيمَى مقصور من الواو، قال الله تعالى: "سيماهم في وجوههم" وقد يجيء السِّيمَاءُ و السِّيمِيَاءُ ممدودين)([4])

وقال ابن منظور: (السُّومَةُ والسِّيمةُ والسِّيماء والسِّيمِيَاءُ: العلامة. وسَوَّمَ الفرسَ: جعل عليه السِّيمة. وقوله عز وجل: "حجارةً من طينٍ مُسَوَّمَةً عند ربك للمُسْرفين"(الذاريات:34): قال الزجاج: روي عن الحسن أَنها مُعَلَّمة ببياض وحمرة، وقال غيره: مُسَوَّمة بعلامة يعلم بها أَنها ليست من حجارة الدنيا، ويعلم بسيماها أَنها مما عَذَّبَ اللهُ بها. [قال] الجوهري: مُسَوَّمة أَي عليها أَمثال الخواتيم (...) قال أَبو بكر: قولهم عليه سِيما حَسَنَةٌ معناه علامة، وهي مأخوذة من وَسَمْتُ أَسِمُ، قال: والأَصل في سيما وِسْمَى، فحُوِّلت الواو من موضع الفاء، فوضعت في موضع العين، كما قالوا ما أَطْيَبَهُ وأَيْطَبَه، فصار سِوْمى، وجعلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها (...) وقيل: الخيل المُسَوَّمة: هي التي عليها السِّيما والسُّومةُ، وهي العلامة. وقال ابن الأَعرابي: السِّيَمُ: العلاماتُ على صُوف الغنم)(

وفي القاموس: (السِّيمَةُ والسِّيمَاءُ والسِّيمِيَاءُ، بكسرِهِنَّ: العَلامَةُ. وسَوَّمَ الفَرَسَ تَسْوِيماً: جَعَلَ عليه سِيمَةً).([6]).

والخلاصة: أن السِّيمِيَاء في اللغة، أو السِّيمَاء: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصل ما. فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر. فلا صدفة فيها ولا اعتباط.

تلك هي الدلالة اللغوية إذن. ومن هنا كان كل موجود – في المنظومة الإسلامية – له سيمياء وجودية، أي أنه علامة في ذاته. علامة على معنى يدل عليه وجوده، وتلك حكمته الخَلْقية، ومعناه  التكويني، وغايته الوظيفية، من حيث كينونته ومصيره. وهو قول الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء:16-18)، وقوله سبحانه: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)(الأنعام:38). والإنسان ترجع سيمياؤه إلى قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة)(البقرة:30). وقوله عز وجل: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)(الأحزاب:72). فهو إذن رمز الخلافة التعبدية لله الواحد القهار، حامل أمانة التكليف الرسالي في الإسلام.

إلا أن السيمياء الإنسانية في القرآن تتفرع - داخليا - على حسب جنس الإنسان من ذكورة وأنوثة، لكن في إطار السيمياء الكلية التي بيناها آنفا. فكان للرجل سيمياء خاصة، وكان للمرأة سيمياء أخرى خاصة، وكلاهما مندرج في السيمياء الإنسانية الكبرى. وورقتنا هذه خاصة بسيمياء المرأة في الإسلام. أي خواصها الرمزية والدلالية في الوجود، وعلاماتها الوظيفية في الكون نفسا وصورة.

 رواه مسلم


 المقاييس: (وسم).


المفردات في: (سام). والحديث الذي أورده الأصفهاني هو عن عمير بن إسحق قال: إن أول ما كان الصوف ليوم بدر. قال رسول اللهe: (تسوموا فإن الملائكة قد تسومت، فهو أول يوم وضع الصوف) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وابن جرير الطبري في تفسيره: 4/82. قلت: وهو ضعيف فعمير تابعي وفيه جهالة وقد أرسل الحديث!


مختار الصحاح: (سوم).


 اللسان: (سوم).


القاموس: (سوم)


مقالات مرتبطة بـ نحو حركة تصحيحية في مجال المرأة

  • استغلال جسد المراة في تدمير بنية التدين

    د. فريد الأنصاري

    وبنجاح السيماء التجارية في استغلال جسد المرأة بأبعاده الجنسية؛ انتقلت العدوى إلى مجال التدافع السياسي الصرف خاصة في الوطن العربي والإسلامي اليوم، حيث توظف الصور

    22/01/2019 88
  • الصورة سيماء إعلامية تجارية

    د. فريد الأنصاري

    وبهذه الخلفية الحضارية وُظِّفَتْ صورة المرأة، كاسية أو عارية، في الثقافية الإعلامية الغربية، فكانت بذلك رمزا لترويج السلع والبضائع، والمنتوجات المختلفة، من خلال

    22/01/2019 89
  • ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه

    عبد الدائم الكحيل

    هذه آية تشهد على إعجاز القرآن، لأنها تتحدث عن إحدى الحقائق الطبية اليقينية، فالرجل لا يمكن أن يحمل

    12/12/2009 8220