مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ

الشيخ / فريد الأنصاري

ولكن أين أنت أيها الفتى القرآني؟
أنت هنا!.. اقرأ تتمة القصة وتأمل:

(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى. قَالَ بَلْ أَلْقُوا..! فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى. قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى. وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى!)

(طه:64-69).

إن القرآن الذي بين يديك أشد قوة من عصا موسى قطعا! فلا تبتئس بما يلقون اليوم من أحابيل ثقافية وإعلامية وسياسية وعسكرية! لا تبتئس بترسانة النظام العالمي الجديد وآلياته الضخمة! حَذَارِ حَذَارِ! وإنما قل لهم: (بَلْ أَلْقُوا!).. وَتَلَقَّ عن الله كلماته بقوة،

أعني قوله تعالى:

(قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى!)

وبادر إلى إلقائها بقوة، كما تلقيتَها بقوة:

(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى!)

إنَّ كلمات القرآن عندما تُـتَلَقَّى بحقها تصنع المعجزات! فإذا أُلْقِيَتْ بقوة أزالت الجبال الرواس، من حصون الباطل وقلاع الاستكبار! ولذلك قال الله لرسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم :

(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)

(النمل:6).

وأمره بعد ذلك أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادا كبيرا!

وهو قوله تعالى:

(فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا!)

(الفرقان:52).

والمقصود بمجاهدة الكفار بالقرآن: مواجهة الغزو الثقافي والتضليل الإعلامي بمفاهيم القرآن وحقائق القرآن!


إن تلك الثقافة وذلك التضليل هما اللذان يجعلان الشعوب تقبل أن تكون حقولا لتجريب أحدث أسلحة الدمار والخراب! إن العبد لا يكون عبدا تحت أقدام الجلاد؛ إلا إذا آمن هو أنه عبد! ووطَّنَ نَفْسَهُ للعبودية! مستجيبا بصورة لاشعورية لإرادة الأقوياء. وذلك هو السحر المبين. والقرآن هو وحده البرهان الكاشف لذلك الهذيان! متى تلقته النفس خرجت بقوة من الظلمات إلى النور!


فيا له من سلطان لو قام له رجال!


إن المشكلة أن الآخرين فعلا يلقون ما بأيمانهم، فقد ألقوا اليوم (عولمتهم)، لكننا نحن الذين لا نلقي ما في أيماننا! ويقف المشهد - مع الأسف – عند قوله تعالى: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى!) ثم لا يكتمل السياق، وتلك مصيبتنا في هذا العصر!
نعم! إن كلمات القرآن – عندما تؤخذ بحقها- تصنع رجالا لا كأي رجال، إنها تصنع رجالا ليسوا من طينة الأرض! ذلك أنها تصنع الوجدان الفردي والجماعي والسلطاني للإنسان، على عين الله ووحيه؛ فيتخرج من ذلك كله قوم جديرون بأن يسموا بـ(أهل الله وخاصته)! وبهذا يتحولون إلى قَدَرِ الله الذي لا يرده شيء في السماء ولا في الأرض! فَيُجْرِي الله - جلَّ جلالُه - بهم أمره الكوني في التاريخ! أولئك الذين تحققوا بمعية رسول الله صلى الله عليه و سلم  تَعَلُّماً وتزكيةً:

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)

(الفتح:29).


إن كلمات القرآن هي السلاح الأوحد لمواجهة تحديات هذا العصر! إنها تتحدى اليوم - بما تزخر به من قوى غيبية - العالمَ كله! فهل من مستجيب أو هل من مبارز؟

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا!)

(الإسراء:88)

إنها كلمات تصنع كل ما يدور بخيالك من أسباب القوة والْمَنَعَةِ، من الإنسان إلى السلطان! ذلك أنها إذا تفجر نورُها ببصيرة العبد المتخلق بالقرآن، المتدبر لآيه العظيم، والمتحقق بِحِكَمِه؛ جعل منه هو نفسه سلاحا يسحق ظلمات العصر ويكشفها كشفا! وبرهانا يدمغ باطل هذا الوابل الإعلامي الذي يهطل بالمصطحات المغرضة، والمفاهيم المخربة للمخزون الوجداني والثقافي للأمة! بما يبني من الوجدان الفردي للإنسان ما لا طاقة لوسائل التدمير المادية والمعنوية معا – مهما أوتيت من قوة! – على تغييره أو تفتيته! ثم هو – في الوقت نفسه - يبني النسيج الاجتماعي للأمة، ويقويه بما لا يدع فرصة لأي خطاب إعلامي مضاد أن ينال منه! ولو جاء بشر الخطاب وأشد الخراب! كلمةً وصورةً وحركة!
السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ

  • من يمنعك مني ؟؟

    الشيخ احمد الشبكي

    فقوة يقين النبي -صلى الله عليه وسلم- بكفاية الله -تبارك وتعالى- له ،ظهرت على غيره ،فهذا موقف يهتز فيه الإنسان، ويصيبه الذعر والخوف، فليس عنده أحد يحميه ،وهذا ا

    28/03/2017 1183
  • الحياء خلق الإسلام

    أحمد عماري

    أخرج ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : « إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا

    29/06/2019 29
  • الحياء مفتاح لكل خير

    أحمد عماري

    وَكَفَى بِالْحَيَاءِ خَيْرًا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخَيْرِ دَلِيلًا، وَكَفَى بِالْوقاحَةِ وَالْبَذَاءِ شَرًّا أَنْ

    10/07/2019 19