من الأمور التي يتم بها صلاح القلب : المجاهدة

من الأمور التي يتم بها صلاح القلب : المجاهدة

الشيخ / خالد بن عثمان السبت

الأمور التي يتم بها صلاح القلب: وهذه النقطة والتي بعدها ذكرتها إتماماً للقسمة، وإلا فالحديث عنها يطول، وهي كثيرة جداً، ولكني أذكر طرفاً يسيراً منها؛ لعل الله عز وجل أن ينفع بها في مثل هذا المجلس، ويكون مشتملاً على جملة الأمور الهامة المتعلقة بهذه المقدمة فمن أعظم الأمور التي تصلح القلب:

1- المجاهدة: 

يحتاج الإنسان إلى مجاهدة دائمة ومستمرة وإلى مكابدة، يقول ابن المنكدر رحمه الله وهو من علماء التابعين:'كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي'[ نزهة الفضلاء 607] . فصار في حال من العبودية عجيب كان يقول:'إني لأدخل في الليل فيهولني فينقضي وما قضيت منه أربي' . ما معنى هذا الكلام ؟ يقول: إذا أقبل الليل ودخلت فيه، وبادرت فيه إلى الصلاة، وخلوت بربي؛ لم يمض إلى شيء حتى انقضى هذا الليل، وتصرمت ساعاته، ولم أشعر بذلك، ولم يحصل ما كنت أؤمله من طول المناجاة، فهي قصيرة في نظره لشدة شغفه وتعلقه بذلك !!

كيف نصل إلى هذه المرحلة، ونحن إذا جلس الإمام يصلي وزاد دقيقتين لربما بدأنا نتململ وبعضنا يتنحنح، وبعضنا يحرك أصابعه ويفرقعها، ولربما عاتبنا الإمام بعد ذلك !

إننا حينما نصلي كأن الواحد منا طائر في القفص يبحث عن الحيلة كيف يتخلص، ولو كانت قلوبنا عامرة بمحبة الله والإقبال عليه؛ لم نشبع من صلاتنا وعبادتنا، وكم رأيت من الصالحين من يتعجب أن فلاناً من الناس لربما بكى في القراءة في الصلاة السرية، وأي عجب في هذا هو يناجي ربه كيف تعجبون من هذا .. !! وأي مقام هو أعظم من مقام العبد بين يدي ربه وخالقه يناجيه وينطرح بين يديه في أذل الصور التي يعبد بها العبد نفسه ويذلل جبهته في السجود والركوع وهل هناك تذلل أكثر من مناجاة الله عز وجل والخضوع بين يديه والجبهة على الأرض ؟ ليس هناك صورة في الذل أعظم من هذه .. لكننا ألفناها فما عادت تؤثر في قلوبنا، على كل حال أيها الأخوة نحن نحتاج إلى كثير من المجاهدة لإصلاح هذه القلوب، ولعل هذه المجالس تكون سبباً في إعانة الواحد منا على إصلاح قلبه .


يقول أبو حفص النيسابوري رحمه الله:'حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة'[ نزهة الفضلاء 1205] . إذا استقام قلب العبد؛ استقامت أعماله وجوارحه، فإذا جاءه الشيطان بخاطرة من الخواطر قبل أن يستقيم قلبه ويثبت على الطاعة؛ فإن القلب يحتاج إلى مدافعة عظيمة لهذه الخواطر، فإذا صار في القلب قوة وصلابة في الإيمان، واستقام القلب لصاحبه، وروضه على طاعة الله عز وجل والإقبال عليه؛ فإنه يحرس صاحبه، فإذا رأى شيئاً تلتفت إليه كثير من النفوس الضعيفة، ويتطلع إليه أصحاب القلوب المريضة، فيطمع الذي في قلبه مرض؛ فإن الإنسان ينصرف قلبه عن هذه الأمور المشينة ولا يلتفت إليها، ويتذكر مباشرة عظمة الله وجلال الله ورقابة الله، فلا تتحرك نفسه للمعصية، أو الوقوع في الريبة والدخول في أمور وطرائق ليس له أن يدخل فيها.. 'حرست قلبي عشرين سنة وحرسني عشرين سنة ثم وردت عليّ وعليه حالة صرنا محروسين جميعاً' معنى هذا الكلام: أنه كان في مكابدة في عشرين سنة حتى استقام قلبه، فحرسه عشرين سنة، ثم مرت عليه أحوال صار قلبه محروساً، وصارت جوارحه محروسة حينما تروضت على طاعة الله عز وجل، فالعين لا تنظر إلا إلى ما يرضي الله، وصار السمع المحرم الذي يعشقه كثير من الناس وتميل إليه قلوبهم صار قلبه ينفر منه وصارت أذنه تمجه لا يجد له لذة وحلاوة يجدها أولئك الذين مرضت قلوبهم ولهذا إذا أردت أن تربي نفسك فعليك أن تحرس قلبك أولاً ثم يحرسك هذا القلب ثم تكون بعد ذلك محروساً معها، لا يكفي أن نعلم الناس بعض الأمور الظاهرة لا يكفي أن تعلمهم بعض الآداب- مع أنها مطلوبة- بل لابد أيضا أن نربي القلوب على الإخبات والخوف والمحبة والخشية والمجاهدة والصبر واليقين وما إلى ذلك من المعاني .


أما إذا خلت القلوب من ذلك مع صلاح الظاهر؛ فإن أمراض القلوب وعللها تظهر في مناسبات كثيرة: تظهر في حال المنافسات، فيتصارع الأقران، ويحصل التباغض والتطاحن، وتحصل العداوة، تحصل في المواطن التي تتطلع النفس فيها إلى الظهور والعلو في الأرض، والنفس تواقة إلى ذلك تحتاج إلى كبح وإلى مجاهدة وإلى أن يكبتها العبد، وأن يأخذ بزمامها فلا تنفلت عليه، وإلا فإنه إذا سرحها، فإنها تسرح به في أودية الهلكة طلباً للرئاسة والشهرة وتحصيل شهوات معنوية ولذات هي أعظم من اللذات الحسية التي يطلبها كثير من المساكين الذين قد تكون غاية أحدهم لذة حسية من مأكل، ومشرب، وملبس، ومنكح، أو مال يحصله، ولكن هناك شهوات هي أعظم من ذلك كله وهي التطلع إلى الظهور في الأرض والعلو على الناس، وأن ينال شرفاً في أعينهم وقدراً في نفوسهم.



هذه الأمور قد لا يستطيع الإنسان أن يتخلص منها إذا لم يكن له التفات كبير إلى قلبه ومجاهدة عظيمة مع هذا القلب والواردات التي ترد عليه، تجد الشخص يتربى سنوات طويلة على كثير من الآداب، ثم بعد ذلك ترى منه أشياء عجيبة يخجل العاقل منها وربما ذهبت بعمله الصالح الذي عمله من دعوة، أو صلاة، أو صيام، أو غير ذلك، الإنسان قد يتعب جوارحه وينهك قواه من أجل أن يحصل على لذة معنوية إما أن تكون لذة مطلوبة شرعاً كلذة العبودية والأنس بالله عز وجل وإما أن تكون لذة محرمة وهي أن يذكر ويعرف وينال شرفاً عند الناس .

مقالات مرتبطة بـ من الأمور التي يتم بها صلاح القلب : المجاهدة