من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره

الإمام / محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

رب ذو إرادة أمر عبدا ذا إرادة فان وفّقه وأراد من نفسه أن يعينه ويلهمه فعل ما أمر به وإن خذله وخلاّه وإرادته ونفسه وهو من هذه الحيثية لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعه فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك ولذلك ذمّه الله في كتابه من هذه الحيثية ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحيثية وهو كونه مسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وبرا ونحو ذلك وهذا أمر زائد على مجرّد كونه إنسانا وإرادته صالحة ولكن لا يكفي مجرّد صلاحيتها إن لم تؤيد بقدر زائد على ذلك وهو التوفيق كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرّد صلاحية العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عنها.

 

من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره, فانك توقّر المخلوق وتجلّه أن يراك في حال لا توقّر الله أن يراك عليها قال تعالى:{ مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي لا تعاملونه معاملة من توقّرونه والتوقير العظمة: ومنه قوله تعالى:{ وَتُوَقِّرُوه} قال الحسن: ما لكم لا تعرفون الله حقا ولا تشكرونه:وقال مجاهد: لا تبالون عظمة ربكم. وقال ابن زيد:لا ترون لله طاعة:وقال ابن عباس:لا تعرفون حق عظمته.وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد و هو أنهم لو عظّموا الله وعرفوا حق عظمته وحّدوه وأطاعوه وشكروه:فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب:ولهذا قال بعض السلف:ليعظم وقار الله في قلب أحدكم أن يذكره عندما يستحي من ذكره فيقرن اسمه به كما تقول:قبّح الله الكلب والخنزير والنتن ونحو ذلك فهذا من وقار الله.ومن وقاره أن لا تعدل به شيئا من خلقه لا في اللفظ بحيث تقول:والله وحياتك مالي إلا الله وأنت وما شاء الله وشئت ولا في الحب والتعظيم والإجلال ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله بل أعظم كما عليه أكثر الظلمة والفجرة ولا في الخوف والرجاء ويجعله أهون الناظرين إليه ولا يستهين بحقه ويقول:هو مبني على المسامحة ولا يجعله على الفضلة ويقدّم حق المخلوق عليه ولا يكون الله ورسوله في حد وناحية والناس في ناحية وحد فيكون في الحد والشق الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله ورسوله ولا يعطي المخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ولا يجعل مراد نفسه مقدما على مراد ربه.

 

 


فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ومن كان كذلك فإن الله لا يلقي في قلوب الناس وقارا ولا هيبة بل يسقط وقاره وهيبته من قلوبهم وإن وقّروه مخافة شرّه فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم, ومن وقار الله أن يستحي من اطلاعه على سره وضميره فيرى فيه ما يكره ومن وقاره أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر الناس.

 


والمقصود أن من لا يوقّر الله وكلامه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يطلب من الناس توقيره القرآن والعلم وكلام الرسول صلى الله عليه وسلّم صلات من الحق وتنبيهات وروادع وزواجر وإرادة إليك والشيب زاجر ورادع وموقظ قائم بك فلا ما ورد إليك وعظك ولا ما قام بك نصحك ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك فأنت مصاب لم تؤثّر فيه مصيبته وعظا وانزجارا وهو يطلب من غيره أن يتّعظ وينزجر بالنظر إلى مصابه فالضرب لم يؤثر فيه زجرا وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه.من سمع بالمثلات والعقوبات والآيات في حق غيره ليس كمن رآها عيانا في غيره فكيف بمن وجدها في نفسه:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ }فآياته في الآفاق مسموعة معلومة وآياته في النفس مشهودة مرئيّة فعياذا بالله من الخذلان قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} وقال:{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}

 


والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويتمم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه أثر وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة وإن لم يكن هكذا فالموت خير له لأنه لا يقف به على حد معين من الألم والفساد بخلاف العيوب والنقائص مع طول العمر فإنها زيادة في ألمه وهمّه وغمّه وحسرته وإنما حسن طول العمر ونفع ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الغرض والتوبة النصوح كما قال تعالى:{أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر} فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقيّة أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم وإلا فلا خير له في حياته.فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة وإما إلى النار فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول النعيم واللذة فإنه كلما طال السفر إليها كانت الصبابة أجلّ وأفضل وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولا له إلى أسفل:فالمسافر إما صاعد وإما نازل وفي الحديث المرفوع:"خيركم من طال عمره وحسن عمله وشرّكم من طال عمره وقبح عمله"

فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته وكلما منع شيئا من لذّات دنياه جعله زيادة في لذّات آخرته وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته  فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمة به وخيرا له وإلا كان حرمانا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة أو ترك واجب أو باطن فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتّب على هذه الأربعة وبالله التوفيق.

 

 


مقالات مرتبطة بـ من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره

  • كيف نعظم اللـه في قـلوبنا

    فريق عمل الموقع

    ·   فمن عظمته ما أخبر به عن نفسه المقدسة  بقوله: ( وَمَا قَدَرُوا اللـه حَقَّ قَدْرِهِ

    25/08/2012 34260
  • تعظيم الأنبياء لله تعالى

    الشيخ صالح المغامسي

    إن الخوض في خيرة أولئك الرسل ودراسته أمر متعجب، ويمكن أن يجنح له المحاضر من عدة طرق كما فعل الحافظ ابن كثير في قصص

    15/09/2014 3967
  • أحوال الناس مع الذنوب

    الشيخ عائض القرني

    الناس قسمان -ولا يسلم من الذنب أحد-: منهم من يذنب ويتوب ويستغفر، يتوضأ، ويصلي الخمس، ويراجع حسابه مع الله، يبكي،

    10/03/2013 1853