مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية

فريق عمل الموقع

 

القسم الثانى من الصبر ما لا يدخل تحت الإختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التى لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان أحدهما ما لا صنع للعبد الآدمى فيه والثانى ما أصابه من جهة آدمى مثله كالسب والضرب وغيرهما فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات أحدها مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلا ودينا ومروءة وهو أعظم المصيبتين

 

 المقام الثانى: مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية

المقام الثالث: مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والسير متفق على وجوبه

المقام الرابع : مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلى عليها

وأما النوع الثانى وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف اليها أربعة أخر أحدها مقام العفو والصفح والثانى مقام سلامة القلب من ارادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها الثالث مقام شهود القدر وانه وان كان ظالما بإيصال هذا الأذى اليك فالذى قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه فالمنسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر وان اختلفت طرقه وأسبابه

المقام الرابع مقام الإسحان إلى المسيء ومقابلة اساءته بإحسانك وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه الا الله فإن فات العبد هذا المقام العالى فلا يرضى لنفسه بأخس المقامات وأسفلها

 القسم الثالث ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التى لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقى فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعى هواه ونفسه وللشيطان ها هنا دسيسة عجيبة وهى أن يخيل اليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوى وغايته أن يكون كالتداوى بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل فإن هذا التداوى لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه وكم ممن تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} وقال {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه فإن قيل فهل يثاب على الصبر في هذا القسم اذا كان عاصيا مفرطا يتعاطى أسبابه وهل يكون معاقبا على ما تولد منه وهو غير اختيارى له قيل نعم اذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملا وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم }وقال تعالى {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم}

 

فإن قيل فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان انما يتوب عما يتعلق با ختياره قبل التوبة منه بالندم عليه وعدم اجابة دواعيه وموجباته وحبس النفس عن ذلك فإن كان المتولد متعلقا بالغير فتوبته مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان ولهذا كان من توبة الداعى إلى البدعة ان يبين أن ما كان يدعو اليه بدعة وضلالة وان الهدى في ضده كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ماأنزل الله من البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم ويبينوا للناس ما كانوا يكتمونهم اياه فقال {ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون الا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} وهذا كما شرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم افساد قلوب ضعفاء المؤمنين وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول وإظهارهم الإسلام رياء وسمعة أن يصلحوا بدل افسادهم وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين وأن يخلصوا دينهم لله بدل إضهارهم رياء وسمعة فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها والله المستعان

 

مقالات مرتبطة بـ مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية