مفهوم الزمان

مفهوم الزمان

الشيخ / فريد الأنصاري

أما الحقيقة الثانية: أي مفهوم الزمان؛ فهو مرتبط في دلالته بالمكان، بل إنما الزمان وليد حركة المكان، فالمكان الفاني لا ينتج عنه إلا الزمان فان. كما أن المكان الخالد لا ينتج عنه إلا زمان خالد. ومن هنا كان العمر البشري – مهما توهمنا أنه طال – قصيراً جداً. ويكفينا في ذلك حقيقة واحدة: هي أن الشهوات الدنيوية كلها، لذاتها تنتهي ببدايتها! كل شوق إلى المزينات الدنيوية يموت بمجرد الحصول عليها، فلذة الطعام الشهي الجميل إنما تشعر بها قبل أن تأكله، وعند بداية الأكل، ثم يبدأ بعد ذلك خط التلذذ في الهبوط حتى درجة الشبع، فالتخمة، حتى يصير اللذيذ بعد ذلك ممجوحاً قبيحاً، وقد كان قبل قليل في غاية اللذة.

وقس على ذلك كل المتع الدنيوية، مما زين للناس،

من مثل الوارد في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}

[آل عمران:14].

إن طبيعة الشهوات الدنيا أنها فانية، لا تكاد تبتدئ حتى تنتهي! وإنما جمال المتعة هو الخلود فيها. هذا هو الجمال الحق، وتلك هي الحياة الحق؛ ولذلك قال بعد مباشرة، ناسخاً قبح الزوال بجمال الخلود:

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

[آل عمران:15]

. قضية العمر أو الزمان راجعة إلى هذا المعنى، فالقرق فيه ما بين الوهم والحقيقة؛ هو بالضبط فرق ما بين الفناء والبقاء.

وما أجمل قول الله الملك السلام، في آيتي (يونس) مما أوردنا قبل؛

للتدبر: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

[يونس: 24 - 25]

. تدبر قوله في آخر الكلام: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

[يونس: 25].

  • إنه معنى جميل جدّاً، فقد جاء مقابلاً لما ذكر من أمر الحياة الدنيا وزخرفها الفاني، ومآلها الحصيد. إذ كل ذلك موحٍ بالخوف والخراب؛ لأن دار الدنيا هي دار الخراب، فكل نفس تعلقت بها إنما تعلقت بالوهم، وهذه حقيقة رهيبة، تملأ القلب هولاً وفزعاً، إذا كان لهذا الإنسان القارئ، أوالمستمع للخطاب الرباني قلب فعلاً،

    {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}

    [ق: 37]،

    فمقابل ذلك الشعور بما صوره القرآن لك من مآل مأساوي للحياة الدنيا، مكاناً وزماناً؛ ينفح الله روحك بالبشرى:

    {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ}

    [يونس: 25]

    .. السلام الحق الجميل، الممتد بلا نهاية، يملأ عرض السماوات والأرض ، ولكن – فقط – لمن آمن واهتدى؛ ولذلك قال:

    {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

    [يونس: 25]

    . فلا جنة بلا هداية. عمر ممتد بلا نهاية، وزمان بلا حساب، يغرف من جمال الله خلوداً إلى الأبد، وذلك هو السلام، قال عز وجل من قائل:

    { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}

    [فصلت: 30 - 32].

     

إن الإنسان عندما يتدبر هذه الحقائق القرآنية العظيمة؛ يرى بأم عينيه أن العمر الدنيوي مجرد حلم، وأن مفهوم (الحياة) إنما يتجلى بصورة حقيقية في الآخرة، حتى لكأن ما دون الآخرة ليس بحياة! وتلك آيات القرآن العظيم ناطقة بهذا،

قال عز وجل {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}

[العنكبوت: 64]؛

فلفظ (الحيوان) صيغة دالة في العربية على الامتلاء، كقولك (فيضان) بدل (فيض)؛ إذا كان قد بلغ السيل الزبى، والتقى الماء على أمر قد قدر فجرف كل شيء، فيقال حينئذ: (فيضان). فلفظ (حيوان) هو بمعنى الامتلاء حياة، بل هو فيضان الحياة. تلك هي طبيعة الحياة الآخرة تفيض بالحيوية والحياة، وتمتد نعمها التي لا تنفد على عرض الكون، فلا يعرف لها نهاية، خلوداً مؤيداً، إلى ما شاء الله. ويبقى ما دون ذلك من (حياة) أشبه ما يكون بطعم الصياد، الذي يغري الفريسة، لتقع على المتعة الوهمية؛ فتكون من الهالكين. {مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] حقّاً، كما قال عز وجل في سياق آخر:

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }

[آل عمران: 185]

. الكافر لا يرى ذلك إلا بعد هلاكه، فما أعجب تعبير القرآن في هذا!

إذ يقول الله تبارك وتعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}

[الفجر: 23 - 24]

، فحسرة الكافر وندمه إنما هو لكون لم يقدم لحياته، ويقصد الحياة الآخرة، ولكنه لم يصفها بــ (الآخرة)؛ للدلالة على أنها هي وحدها حياته، إذ أدرك الآن عياناً أن ما سبق من حياته الدنيا ليس بحياة، فندم على تفريطه في حياته الحقيقية: الآخرة، ونتيجة الأمر أنه ما حيي إلا من حيي في الآخرة وللآخرة. وأما الدنيا فهي – بالنظر إلى هذا المعنى – ليست بحياة؛ إلا مجازاً. فإذن لا طول للحياة الدنيا ولا بقاء لها مكاناً وزماناً، بل هي مجرد خدعة للإنسان إن لم يستثمرها للحياة الحقيقية: الآخرة، إنها – لو تدبرت – عمر في أيام.. فلا طول، وإنما الطول مفهوم يدل على الحصر؛ إذ ما سمي طولاً إلا لقابليته للعد والقياس، وكل معدود محدود. ومن هنا وصف الله الجنة بالعرض دون الطول، وذلك بعدما قرر عز وجل طبيعة الحياة الدنيا، فقال على سبيل الجزم والتحذير:

{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

[الحديد: 20-21].

لقد ابتدأ الخطاب في الآية بهذا الأمر الجازم: (اعلموا...!) والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع قطعاً ويقيناً، أي بل تردد ولا شك، ولا ظن. (اعلموا..) هكذا قطعاً، وجاء المثال القرآني العجيب مرة أخرى بصيغة أخرى: مثال الزرع إذ ينبهر الفلاح بخضرته وجماله وسنبله، فلا يلبث أن يصير حقله الجميل حطاماً، أو حصيداً كأن لم يغن بالأمس! فكذلك الدنيا كلها بزينتها وأموالها وأولادها،

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }

[آل عمران: 185].

وهنا جاء المقابل الأخروي هذه المرة في القرآن الكريم بصيغة فريدة.. لا مثيل لها، جاء طلب المسابقة إلى المغفرة والجنة، ووصف الجنة بما قال عز وجل:

{عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}

[الحديد: 21]،

فوصفها بالعرض دون الطول، ذلك هو الزمان الأخروي السعيد، والعمر الجميل المديد، تلك هي الحياة..

{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}

[النساء:57]

، إن الطول كما ذكرنا – مفهوم محدود معدود، والجنة لا حد لها، ولا عد. إنها (الحيوان)، فلا يليق بوصفها من ألفاظ الامتدادات إلا (العرض)، إذ بالعرض تعيش اللحظة الواحدة أكثر من مرة، أما الطول فلا يتيح لك من اللحظة الواحدة إلا خطوة واحدة، تخطوها إلى أمام؛ لتصبح بعد ذلك من (الماضي)، فلا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين، كما قال الحكماء، وأما العرض فهو امتداد أفقي في الزمان الفسيح، إذ تتمتع بالمتعة الواحدة أبداً، وتعيش الشعور الواحد أبداً، وتغرف من اللحظة الواحدة معنى الخلود، صورته في الدنيا هي (بركة العمر)، حيث يبارك الله العمر القصير – ولا يكون العمر إلا قصيراً – ويزكيه؛ فينجز المؤمن فيه من الصالحات؛ ما يمكنه بإذن الله من الخلود في الجنة، وصورته في الآخرة: حياة سعيدة مطلقة في الزمان، سابحة في الجمال، تنعم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

فما أبلد من يستنزف طول عمره على حساب عرضه! ولا يسابق إلى هذا إلا من عرف الله ابتداء، ثم اكتشف هذا المعنى اللطيف (للحياة)، وذاق جماله، فسابق إليه، وإنما

{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

[الحديد:21]

، فكيف السبيل إلى ذلك، وكيف المسير؟ ذلك هو البلاغ الرابع من بلاغات الرسالة القرآنية، فيه بيان طريق العمل، ورسم معالم السلوك.

مقالات مرتبطة بـ مفهوم الزمان

  • لقاء مع ملحد

    أحمد كمال قاسم

    سألني شاب :اذا خلقنا الله. عندي بضع أسئلة: أنا كنت متدين وأصلي الصلاة في وقتها بالمسجد وكنت دائما أدعو الله بشيئ

    04/06/2017 636
  • ما المانع أن يكون مصدر الكون هو الصدفة؟

    فريق عمل الموقع

    القول بالصدفة هو جهل بأصول الاحتمالات؛ لأن الصدفة لها شرطان لا ينفكان عنها. وهما: الزمان والمكان. فالصدفة تشترط زمان تقوم فيه بإحداث أثرها. وتشترط وجود مادي

    26/12/2018 231
  • اطلب الله هدايته

    د. عبدالله بن حجر

    على المسلم أن يلجأ إلى الله بطلب هدايته و الثبات عليها ؛ فإنّه لا هادي إلا الله ، و لا مثبت إلا هو سبحانه ، خاصة

    16/10/2017 335