مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله

عمر سليمان الاشقر

 


وقد حذرنا الله من الانحراف عن النهج الذي قرره الله في كتابه في أسمائه تعالى وصفاته ، فقال : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الَّذين يلحدون في أسمائِه ) [الأعراف : 180] . وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد والميل والجور والانحراف ، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمة القبر " . (2)


وقال تعالى منزهاً نفسه عما يصفه به الملحدون في أسمائه الضالون المشركون : ( سبحان الله عمَّا يصفون ) [ الصافات : 159 ] ، ( سبحان ربك رب العزَّة عمَّا يصفون ) [ الصافات : 180 ] ، ( إلاَّ عباد الله المخلصين ) [ الصافات : 160 ] ، وفي الآية الأخرى سلم على المرسلين لسلامة ما قالوه : ووصفوا الله به ( وسلام على المرسلين ) [ الصافات : 181 ] .

 


عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري في صفات الله


يشغب بعض من لم يرتض مذهب أهل السنة على أهل السنة مدعياً أن مذهب الأشاعرة يخالف هذا الذي قررناه ، ويدعي أن مذهبهم مذهب أهل السنة ، ونحن نورد هنا المذهب الذي حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة وأصحاب الحديث ، ونص في ختامه أنه معتقده قائل به .
عنون لهذا المبحث بقوله : " هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة " ثم قال : " جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وما جاء من عند الله ، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردّون من ذلك شيئاً (3) ، وأن الله سبحانه إلهٌ واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الجنة حقٌ ، وأن النار حقٌ ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور .


 
وأن الله سبحانه على عرشه كما قال : ( الرَّحمن على العرش استوى ) [طه :5] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال : ( خلقت بيديَّ ) [ص : 75] وكما قال : ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة : 64 ] وأن له عينين بلا كيف كما قال : ( تجري بأعيننا ) [ القمر :14]، وأنّ له وجها كما قال : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [الرحمن :27] .


وأن أسماء الله لا يقال : إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج ، وأقرّوا أن لله سبحانه علماً كما قال : ( أنزله بعلمِهِ ) [ النساء : 166 ] وكما قال : ( وما تحمل من أنثى ولا تضعُ إلاَّ بعلمِهِ ) [ فاطر : 11 ] .
وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة ، وأثبتوا لله القوة كما قال : ( أو لم يروا أنَّ الله الَّذي خلقهم هو أشد منهم قوَّةً ) [ فصلت : 15 ] .


ويقولون إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، والكلام في الوقف واللفظ من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم ، لا يقال : اللفظ بالقرآن مخلوق ، ولا يقال : غير مخلوق .


ويقولون إنّ الله سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون ، ولا يراه الكافرون ؛ لأنهم عن الله محجوبون قال عز وجل ( كلاَّ إنَّهم عن رَّبهم يومئِذٍ لَّمحجوبون ) [ المطففين : 15 ] ، وأن موسى عليه السلام سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا ، وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكاً ، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا ، بل يراه في الآخرة .


ويصدّقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول : ( هل من مستغفر ) كما جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة كما قال : ( وجاء ربُّك والملكُ صفاً صفاً ) [ الفجر : 22 ] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ ق : 16 ] .

 
وختم أبو الحسن الأشعري جملة ما حكاه عن أهل السنة وأصحاب الحديث بقوله : " فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه ، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ، وإليه نذهب ، وما توفيقنا إلا بالله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وبه نستعين ، وعليه نتوكل ، وإليه المصير " . (4)
وبهذا النقل يتضح لك موافقة معتقد أبي الحسن الأشعري لمعتقد أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته . (5)

--------------------

(1) مجموع الفتاوى : 3/3 . وقد قرر عقيدة السلف جمع كبير من العلماء ، منهم الطحاوي ، وقد شرح عقيدته محمد بن أبي العز الحنفي في مؤلف معنون بـ ( بشرح العقيدة الطحاوية ) ، وأبو الحسن الأشعري في كتابه الجليل ( الإبانة عن أصول الديانة ) ، والصابوني في كتابه ( عقيدة السلف ) ، وغيرهم كثير ، ونحن اقتفينا أثرهم ، وسرنا على دربهم ، سائلين الله أن يحشرنا في زمرتهم في يوم الدين .
(2) معارج القبول : 1/88 .
(3) لاحظ كيف جعل صحيح الحديث حجّة في العقائد ؛ لأن كلامه هنا في العقائد لا الأحكام ، فهو لا يفرق بين المتواتر والآحاد ، وفعله في استدلاله على مسائل الاعتقاد في كتبه يدل على صحة ما قررناه .
(4) راجع مقالات الإسلاميين : ص 290-297 ، وقد اقتصرنا على نقل ما يتعلق بصفات الله فحسب ، أما بقية معتقد أهل السنة وأهل الحديث الذي رضيه فلم ننقله منه .
(5) وقد ألف أ . د . عمر الأشقر رسالة لطيفة تبين معتقد أبي الحسن الأشعري ومنهجه .

لخص ابن تيمية مذهب السلف الصالح في هذا الباب فقال :
" فالأصل في هذا الباب أن يوصف بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم نفياً وإثباتاً ، فيثبت لله ما أثبته لنفسه ، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه .

 
وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ، ومن غير تحريف ولا تعطيل " . (1)

مقالات مرتبطة بـ مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله