مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله عز وجل

مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله عز وجل

خالد بن عثمان السبت

ومما يحيي القلب: مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله عز وجل ويذكرون بالله بالنظر إلى وجوههم: 


من الناس من إذا نظرت إلى وجهه؛ انشرح صدرك؛ وذهبت عنك كثير من الأوهام والهموم والمخاوف . قال ابن القيم رحمه الله:كان إذا حدق بنا الخصوم، وأرجفوا بنا، وألبوا علينا، واعترتنا المخاوف من كل جانب؛ أتينا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: فوالله ما إن نرى وجهه حتى يذهب ذلك عنا جميعاً لما يرون في وجهه من الإنارة، وما يرون فيه من المعاني الدالة على انشراح الصدر، وثبات القلب والتقى والرجاء والخوف من الله، فإن الوجه مرآة للقلب ولهذا قيل:'ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه وفلتات لسانه' .


ودخل رجل على عثمان رضي الله عنه، فقال عثمان:'أيعصي أحدكم ربه ثم يدخل علي؟ فقال الرجل:أَوَحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني كيف علمت؟- فأخبره أنها فراسة المؤمن حيث يكون الوجه مظلماً لما في القلب من الظلمة، ويكون الوجه مشرقاً لما في القلب من الإشراق.

ومن الناس من إذا رأيته أحببته قبل أن يتكلم، ومن الناس من إذا رأيته أبغضته قبل أن يتكلم، وما ذلك إلا أن هذه الأوجه هي صفحات ينقش فيها ما تكنه القلوب . يقول جعفر بن سليمان رحمه الله:' كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع – وكان من كبار العباد والصالحين – كان وجهه كأنه ثكلى'[نزهة الفضلاء638 ] ، يعني: كأنه وجه ثكلى من أثار الخوف من الله عز وجل، بادية عليه آثار الإشفاق، آثار الخشية ظاهرة على وجهه، فإذا نظروا إلى وجهه؛ رقت قلوبهم قبل أن يتكلم لا يحتاجون إلى كثير من كلامه.


ومن الناس من إذا نظرت إلى وجهه؛ أظلم قلبك ويتصدد الإنسان أحياناً عن رؤية بعض الوجوه من أجل ما فيها من الظلمة، فإن النظر إلى هذه الأشياء يؤثر على القلب، ولهذا تعلمون أن جريج الراهب دعت عليه أمه كما في صحيح مسلم قالت: [ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ] فقط، والمومسات-أعزكم الله- البغايا، لما:

[ أَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ قَالَ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ فَقَالَ أَيْنَ الصَّبِيُّ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ فُلَانٌ الرَّاعِي قَالَ فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُوا نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُوا...]

رواه البخاري ومسلم- واللفظ له-

هذه الدعوة التي دعت بها أمه ماذا كانت نتيجتها أيها الأخوة ؟! كان نتيجتها أنه نظر إلى وجه مومس واحدة امرأة واحدة بغي اتهمته فجئ به إليها، وقيل له أنت فجرت بهذه فأنجبت هذا الغلام، نظر إلى امرأة واحدة فكان ذلك إجابة لدعوة أمه عليه، فكيف بالذي يقلب بصره صباح مساء وقد شخص بصرة أمام القنوات الفضائية يرى وجوه المومسات !! كم نجني على قلوبنا أيها الأخوة كم نفسدها بأيدينا وبأفعالنا .. كم يجني الإنسان على نفسه حينما يقلب طرفه ويسخر نظره في المواقع الكثيرة في الشبكة العنكبوتية ينظر إلى ما حرم الله عز وجل كم تؤثر فيه هذه النظرات !! فالنظر في وجوه الصالحين يؤثر في القلب، يقول عبد الله بن المبارك وهو من العلماء يقول:'إذا نظرت إلى الفضيل بن عياض جدد لي الحزن ومقت نفسي ثم بكى'[نزهة الفضلاء778 ] . أي: طرد عنه الفكاهة والغفلة، فجدد في قلبه الحزن والإشفاق من الآخرة واحتقر نفسه، إذا كان ابن المبارك يحقر نفسه إذا نظر إلى وجه الفضيل بن عياض فماذا نقول نحن ونحن أصحاب غفلة طويلة ؟!

وهذه الموضوعات قلَّ من يتكلم عليها مع أننا في أمس الحاجة إليها، وقلَّ من يزور المقابر، وقلَّ من يسعى إلى مجالس الصالحين الذين ينتقون أطايب الكلام ويجددون الإيمان في قلبه وقد يجتمع معهم ويتحدثون فيما حرم الله عز وجل من الغيبة والنميمة، بأي عذر اعتذروا، وبأي تبرير برروا ذلك، والله عز وجل يعلم ما في القلوب .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله عز وجل

  • ما هو اسمك في الليل عند الله ؟

    محمد حسين يعقوب

    عن عبد الله بن عمرو العاص(رضى الله عنه) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): ( من قام بعشر آيات لم يكتب

    10/03/2011 20873
  • أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت

    فريق عمل الموقع

    عن ابي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تبارك و تعالى : أعددت لعبادي

    22/11/2010 6526
  • كيف يحبك الله ؟

    فريق عمل الموقع

    مما يثير الغرابة والعجب .. عندما ترى بعض الناس يحرص كل الحرص ، ويذل نفسه غاية الذل .. ويتوسل بكل شيء حتى يصل

    10/09/2012 2414