ما هو الاستغفار المطلوب ؟

عزيز بن فرحان العنزي

مرَّ معنا أنَّ الاستغفار عبادة من أجلِّ العبادات، وأنَّ فضله عظيم وعوائده أثيرة وخيره عميم، وخيراته على العبد متوالية في الدنيا  والآخرة، وقد ذكرنا ما عليه حال الأنبياء مع الاستغفار، وسيمرُّ معنا بيان آثاره في فصلٍ مستقل، لكنَّ السؤال الذي نطرحه في هذا الفصل: ما هو الاستغفار المطلوب من العبد الإتيان به؟ والذي به يستنزل المستغفر عطف الله ورحمته ويكون مقبولاً بإذن الله رب العالمين؟

ها هنا قاعدة عند أهل السنة والجماعة يذكرونها دائمًا في شروط قبول العمل، أذكرها قبل الحديث عن الاستغفار المطلوب، وهي أنَّ العبادة لا تُقبل إلاَّ بشرطين أساسيين:

الأول- أن يكون العمل خالصًا لله تعالى.

والثاني- أن يكون صوابًا على سُنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويُطرِّدون هذين الشرطين في جميع العبادات، وقد يضيفون لبعض العبادات شروطًا أخرى لافتقارها إليها،  والبعض يسميها «أركانًا»، والبعض يسميها «شروطًا»، وهذه في الحقيقة راجعة إلي جنس العبادة المأمور بها، وما ورد بخصوصها من نصوص تضاف إلى شرطي قبول العمل، فالاستغفار مثلاً الذي نحن بصدده: عبادة من العبادات اشترط فيه حتى يكون مقبولاً: أن يكون خالصًا لله تعالى لا يبتغي به صاحبه أحدًا سوى الله تعالى، وأن يكون مشروعًا ليس فيه ألفاظًا شركية: كطلب المغفرة من المقبورين، أو بدعية: كتوظيفه في وقت محدد غير مشروع في أصل السنة، أو محرمة: كقول «اللهم اغفر  لي إن شئت».

وأيضًا يذكر كثير من أهل العلم أن من شروطه: أن يكون التلفُّظ باللسان لهذا الاستغفار مصحوبًا معناه في القلب، وأن يتذكر الذنب المستغفَر منه في الحال إن كان ثمَّة ذنب، وذلك لتتحقق له نتائج الاستغفار وثمراته، لقوله تعالى : ( فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) [آل عمران: 135]

أما إن كان الاستغفار باللسان فقط دون تذكر معناه في الجنان، أو يستغفر وهو مصرٌّ على المعصية، فقد ذكر كثير من أهل العلم أنه استغفار غير مقبول، لعدم توفر شرط صحته، بل ذكروا أنه ذنب يحتاج إلى استغفار، كما روي: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربِّه! (لا يصح مرفوعًا ومعناه صحيح، وصحَّح وَقفه بعض أهل العلم).   
        
والتحقيق أن هذا الأمر من شروط قبول الاستغفار، هذا إذا كان الاستغفار بسبب تقصير في واجب، أو وقوع في محرم، فيشترط لصحة الاستغفار عن الذنب: أن يصطحبه المستغفر بقلبه، فيجمع بين الاستغفار باللسان، وتذكر الذنب بالقلب، ليتخلص منه، وليجتث جذوره العالقة في قلبه.

وقد ذكر بعض أهل العلم من ذوي التحقيق أنَّ من لم يتيسَّر له استجماع القلب مع اللسان، ولكنه يجاهد نفسه، إلاَّ أن لسانه يغلب على قلبه، فهذا إن انتفى الإصرار فهو حَسن، بل لا يُنهى عنه، بل مطالب من العبد أن يرطِّب لسانه بالاستغفار على الدوام، لأنَّ الاستغفار عن غفلة خيرٌ من الصمت، وهو طريق ووسيلة إلى انتباه القلب، فاللسان إذا ألف ذكرًا، يوشك القلب أن يألفه، فيوافقه عليه، ولذلك من مكائد الشيطان على بني الإنسان: منعهم من الاستغفار بسبب غفلة القلب، فلينتبه!

فالاستغفار على الدوام أمر محمود وخلَّة حميدة، لأنه عبادة مستقلة بذاتها، يستغفر على ما علمه من ذنوبه رجاء غفرانها وما لم يعلمه مما يصدر منه، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه أن يقولوا على الدوام: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم» (أخرجه أحمد والبخاري في الأدب وغيرهما من حديث أبي هريرة بسند صحيح).   

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ ما هو الاستغفار المطلوب ؟

  • التسبيح و الاستغفار

    عبد العزيز الطريفي

    أكثر الأذكار التي كان النبي ﷺ يقولها كل يوم ( التسبيح ) و ( الاستغفار ) ؛ لأنّ التسبيح تعظيم لله ، و ⁧‫الاستغفار‬⁩

    09/06/2019 87
  • الاستغفار أي بني

    فريق عمل الموقع

    ‏قال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز : رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة ، فدفع إلي تفَّاحات فأوَّلتهنَّ

    18/02/2018 554
  • ثمرات الاستغفار و آثاره (5)

    عزيز بن فرحان العنزي

    (6) الاستغفار سبب في زيادة القوة : فالاستغفار يعطي القلب والبدن قوة عجيبة يتحملان ببركته الشدائد ، قال تعال على

    31/12/2017 1835