ما الفرق بين الرياء و بين العُجبْ ؟

الشيخ / خالد بن عثمان السبت

العجب قد يبطل العمل ، والله عز وجل يقول : (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) ، فإبطال الأعمال بالمن و الأذى في الصدقة مثلاً ، و إبطال الأعمال أيضاً بالعجب و الزهو الذي يحصل للعبد بعد ذلك ، بدلاً من الانكسار ! المؤمن يستغفر بعد أن الانصراف من الصلاة ثلاثة و هو فرغَ من عبادة ، و إذا قضى مناسكه في الحج الله يقول له : ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ ) ، هذا بعد الفراغ من العبادة يُكثر من الذكر و الاستغفار و يلهج بذلك ، أمّا أن يمتلأ العبد زهواً و إعجاباً فإنّ هذا ينافي الإخلاص .

و الفرق بين الرياء و العجب :

أنّ الرياء من باب الإشراك بالخلق ، هو يلتفت إلى المخلوقين لينظروا إليه ، ليحمدوه ، ليعظمّوه ،

و أمّا العُجب : أنّه إشراك بالنفس ، يلتفت إلى نفسه و أنّه بذل و قدم و عمل و أنّه جَادَ بهذه الأعمال الصالحة و بهذه الصدقات ، تتعاظم نفسه .

فالرياء إذن إشراك بالخلق و العُجب إشراك مع النفس أو بالنفس .

فالعمل الصالح أيها الإخوان قد يعرض له الرياء أو السمعة أو العجب ، فيكون ذلك سبباً لبطلانه و حبوطه .

بعد ذلك أنتقل إلى نقطة أخرى و هي : ما السبب في أنّ الإنسان يرتكب هذه المهالك ؟ ما الذي يجعل الإنسان يرتكب هذه الأخطار ؟ ينفق النفقات التي ربما تكون كثيرة ثم تكون أوزاراً على ظهره يوم القيامة ، و يقوم الليل طويلاً و يُنهك جسده ، و يصوم نهاراً طويلاً في شدة الحر ، ثم هو يرائي أو يُسمّع فيكون قد رجع بخيبتين اثنتين ، بالتعب في الدنيا و بالعذاب في الآخرة ؟ ما الذي يحمل العبد على ركوب هذه الأخطار و على هذه التضحيات الجسام ؟

أُذكر بما ذكرته سابقاً من صعوبة الإخلاص ، و لماذا كان الإخلاص صعباً على النفوس ؟ و ذلك أنّ الداعي إلى الرياء قويٌ في النفس ؛ لأنّ النفوس حُبب إليها الشهوات و زُينت لها ، والإنسان بطبعه – الله المستعان - مجبولٌ على حب الترأس و الظهور و العلو ، و مجبولٌ على حب المحمدة ، الطفل الصغير حينما تُثني عليه ترى أثر ذلك في وجهه وفي جوارحه ، و إذا ذممته رأيت أثر ذلك في وجهه و في جوارحه ، فهذه أمور جُبلت عليها النفوس أنّها تُحب الحمد و تكره الذم ، و كثير من الناس يعادي من ذمه و إن كان محقاً ؛ و لذلك الناس يتحاشون بيان العيوب للآخرين و القيام بواجب النصيحة ؛ لأنّ تحصل لهم نقمة من هذا الإنسان فيتغير عليهم بسبب أنّهم ذكروا بعض معايبه ، و لكنّه إذا ذكروه ببعض الاوصاف الحسنة يطرب لذلك ، فمن طبيعة الإنسان أنّه يحب الثناء و الحمد ، فكما قال القائل : يَهْوَى الثَّنَاءَ مُبَرِّزٌ وَ مُقَصِّرٌ *** حُبُّ الثَّنَاءِ طَبِيعَةُ الإِنسانِ .


و لا نكون قد بالغنا لو قلنا أنّ الداعي إلى الرياء والسمعة أعظم من الداعي إلى الشرك الأكبر ؛ لأنّ النفوس مجبولة على التوحيد ، و الشرك الأكبر منافٍ للفطرة ، كيف يُعبد الحجر و الشجر ؟! كيف تُعبد هذه المخلوقات الأرضية من دون الله تبارك و تعالى ؟! هذا أمر ينافي الفطرة السليمة ، و لذلك أنكر بعض من عاش في أزمان الجاهلية أنكر على المشركين تلك المعبودات ، و لم يسمعوا نبياً من الأنبياء و لم يقرأوا كتاباً من الكتب ، ومع ذلك أنكروها بفطرتهم ، لكن محبة المحمدة ، محبة الثناء من الناس ، هذه أمور متمكنة في النفوس يصعب على

الإنسان أن يتخلص منها ، فنفسه تميل إليها ميلاً شديداً و تنجذب إليها و تشده شداً ، و لا تزال نفس الإنسان تحركه حتى يتحدث بأعماله ، و لا يزال الإنسان تدعوه نفسه الأمارة بالسوء و الهوى إلى أن يرائي بهذا العمل ليُحصّل محمدةً و منزلةً في قلوب الخلق ، و الله عز وجلّ يقول : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) ، و يقول : ( بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( .


فحب المحمدة و خوف المذمة و الطمع بما في أيدي الناس و مخافة الضعى في الدنيا ، كل ذلك يشد الإنسان بأن يُظهر أعماله الحميدة الطيبة ليرتفع ، و يُمكن أن يجمع ذلك جميعاً في أمرين اثنين : حب المحمدة و كراهية المذمة ، فهو يحاول أن يتنزه من الأعمال التي لا تليق و لو كان يواقعها ، و هذا نوع من الرياء ، أن يُظهر أنّه يتنزه من محبة الدنيا ، أن يُظهر أن يتنزه من مواقعة المعاصي الفلانية أو ما إلى ذلك و هو يواقعها ، فهذا نوع من الرياء ، و ليس الرياء فحسب بل الرياء الكاذب ، و كذلك إذا أظهر أنّه يعمل الأعمال الصالحة ، أنّه يقوم على الأرامل و الفقراء و المساكين ، فإن كان صادقاً فهذا رياء الصادقين ، يُبطل العمل ، و إن كان كاذباً فهو كان رياء الكاذبين و هو متشبع بما لم يُعطى .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ ما الفرق بين الرياء و بين العُجبْ ؟