كَلِمَاتُ الله في مَعْرَكَةِ السَّلاَم!

كَلِمَاتُ الله في مَعْرَكَةِ السَّلاَم!

الشيخ / فريد الأنصاري

القرآنُ العظيمُ وقضيةُ الأُمَّة

كَلِمَاتُ الله في مَعْرَكَةِ السَّلاَم!

لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن! لأن طبيعة المعركة الجديدة قائمة على "الكلمة!" والقرآن العظيم هو الكلام القاهر فوق كل كلام!

ولكن بعد أن نفهم السؤال الإشكالي: ما حقيقةُ "الكلمة"؟ وما دورها في معركة العصر الجديدة؟

إن "الكلام" ليس "قولا" وحسب، إذ "القول" دال على كل ملفوظ، سواء أفاد معنى أم لم يفده، كما هو معلوم من تعريفات النحاة، بينما "الكلام" لا يكون إلا لفظا مفيدا لمقصودٍ مُرَادٍ للمتكلم، سواء أفاد خيرا أم أفاد شرا! على وزان قول ابن مالك:

كَلاَمُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ!


ومن هنا ننطلق من هذا التقعيد النحوي المدرسي البسيط؛ لنجزم بعد ذلك بأن الكلام - على هذا المعنى المؤصل في قواعد العربية - لا يكون إلا فعلا جاريا في الواقع، وحدثا جالبا لأثرٍ في التاريخ! إن الكلمة – أي كلمة – إنما هي فعل من الأفعال، هذا على المستوى الوجودي. وتأمل كيف أن الخطاب مهما يصدر من منتجه فإنه لا بد يؤثر في الواقع ولو على المستوى النفسي ابتداء، ثم يكون له بعد ذلك أثر فعلي. وأقل الأثر أن يعود على صاحبه بالخير أو بالشر. ولا يتصور في الواقع والعادة الجارية في الخلق كلامٌ بلا أثر مطلقا البتة! وهذا يبدأ من مستوى الخلق والإنشاء والتكوين، مما ينسب إلى الله جل جلاله من الأفعال والأقدار، إلى مستوى الفعل الإنساني والإنجاز البشري في الواقع والتاريخ.



فمثال الأول: قول الله تعالى فيما عَرَّفَ به حقيقةَ نبيه عيسى عليه السلام، واصفا إياه بأنه (كَلِمَتُهُ!)

قال جل ثناؤه:

(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)

(النساء:171)

فكان عيسى ههنا هو (كلمة الله) جل علاه، أي أنه راجع إلى أمره القدري التكويني. إنه إذن خَلْقُ الله؛ لأن "الكلمة" راجعة إلى فعله تعالى المتعلق بتدبير شؤون الربوبية؛ خلقا وتقديرا وقَـيُّومِيَّةً. وهذا المعنى شامل في كل خلق أو تصرف إلهي، وفي كل قضاء وقدر. لا شيء من ذلك كله يخرج عن (كلمة الله)(1). ومما يدل عليه أيضا أن "الكلمة" في القرآن أمرٌ واقعٌ حتما

قولُه تعالى:

(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)

(هود:110)،

وقوله سبحانه:

(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)

(هود: 119)،

وكذلك قوله جل ثناؤه:

(وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).

(غافر:6)

ومِثْلُ هذا في القرآن كثير لمن شاء أن يتتبعه. فكل ذلك ونحوه مما تضمن ضميمة (كلمة ربك) دال على معاني الخلق والإنشاء والتكوين والتصيير، وسائر أفعال القضاء والقدر الإلهيين. وليست "الكلمة" قولاً يقال لمجرد القول وكفى! بل هي إنجاز حتمي لا يتخلف توقيعه أبدا! فمتى قيلت "الكلمة" - بهذا السياق – كان معناه أنها فُعِلَتْ! ومن هنا لم تخرج "كلمة الله" عموما عن معنى فعل الله جل وعلا، وهو سبحانه وتعالى لا يخلف القول ولا الميعاد.



ومثال الثاني

قول الله تعالى:

(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)

(البقرة:31).

فالأسماء – مهما اختلف في تفسير معناها – فإنه لا اختلاف في أنها "كلام" بالمعنى الشرعي والوجودي للكلمة! ولا يمكن أبدا أن تتصور "الأسماء" على أنها لغو أو عبث! فهي أساس الناطقية التي فُطِرَ عليها الإنسان، والتي تشكل جوهرا أساسيا من ماهيته الوجودية، ووظيفته الكونية، والتي كانت - بعد ذلك - أساس الاستخلاف له في الأرض!

ومثلها قوله تعالى:

(خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)

(الرحمن:3-4).

ومن هنا كانت مسؤوليته عما يتكلم به كبيرة جدا! وهي مسؤولية لا تخرج عن عموم الأمانة التي أنيطت بالإنسان

في قول الله جل وعلا:

(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا!)

(الأحزاب:72)


 فالكلام البشري كله محصي عليه كَلِمَةً كَلِمَةً! يستوي في ذلك إنشاؤه وخبره؛ لأنه كله يوزن بميزان التحقيق بين الصدق والكذب!

المراجع

  1.  سيأتي بسط أوضح لهذا المعنى بعد قليل إن شاء الله.


مقالات مرتبطة بـ كَلِمَاتُ الله في مَعْرَكَةِ السَّلاَم!

  • اسم الله السَّلام

    فريق عمل الموقع

    السَّلام قال تعالى: } هُوَ اللهُ الذي لا إلهَ إلا هُوَ الملِكُ القدُّوس السَّلام { [الحشر:23] . وصح من حديث أبي

    19/07/2010 2695
  • كَلِمَاتُ اللَّهِ

    الشيخ / فريد الأنصاري

    أوَلَيْسَتْ كلمات الله هي التي امتدت من هذه العبارات التي نتلوها إلى أعمق مما يمكن أن يتصوره الخيال، وأبعد من أن

    20/03/2018 193
  • القرآن وقضية الأمة

    الشيخ / فريد الأنصاري

    إن السلام العالمي لن يكون إلا وليد النور الإلهي، النور الذي يشرق في قلوب المؤمنين بالخير والجمال؛ بما يسكبه

    30/04/2018 246