كيف يكون القلب سليماً ؟

البندري العجلان

كيف يكون القلب سليمًا ؟

ورد ذكر القلب السليم في كتاب الله مرتين في قوله تعالى: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84] وفي قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89].

قال ابن عباس (1) رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني: يشهد أن لا إله إلا الله.

وقال مجاهد والحسن وغيرهما: {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني من الشرك وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}.

وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة والمطمئن على السنة.

قال ابن القيم (2) – رحمه الله -: القلب السليم: هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره وسلم من كل إرادة تزاحم مراده وسلم من كل قاطع يقطع عن الله فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد.

القلب السليم: هو القلب الذي يشهد أن لا إله إلا الله.

قال الشيخ محمد بن عثيمين (3) رحمه الله: الشهادة: هي الاعتراف باللسان والاعتقاد بالقلب والتصديق بالجوارح، ولهذا لما قال المنافقون لرسول الله : {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1]، وهذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات الشهادة وإن، واللام كذبهم الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] فلم ينفعهم هذا الإقرار باللسان لأنه خال من الاعتقاد بالقلب وخال من التصديق بالعمل فلم ينفع فلا تتحقق الشهادة إلا بعقيدة في القلب واعتراف اللسان وتصديق بالعمل.

لا إله إلا الله: أي لا معبود على وجه الأرض يستحق أن يعبد إلا الله وضد القلب السليم هو القلب المريض. يقول الله : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8-10].

قال ابن جرير رحمه الله: المنافق سمي مخادعًا لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل وهو لغير ما أظهر مستبطن وذلك من فعله وأن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها وهو موردها حياض عطبها مجرعها كأس عذابها ومُزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به فذلك لعلها: خدعته نفسه ظنًا منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن كما قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} إعلامًا منه سبحانه عباده المؤمنين أن المنافقين إساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون.

وفي تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا} {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شك {فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا} أي شكاً قال الشيخ السعدي (4) رحمه الله: إنه بسبب ذنوبهم السابقة يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]، وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] فعقوبة المعصية المعصية بعدها كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76]، وبين الله أن أهل النفاق مفسدون في الأرض: فقال: عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11].

الفساد (5): هو الكفر والعمل بالمعصية فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يُقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا. فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها (6) .

----------

(1) انظر [عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير] الشيخ أحمد شاكر المجلد 2 / ص 717.
(2) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص166.
(3) فتاوى ابن عثيمين المجلد (9) شرح كتاب التوحيد ص 55 .
(4) تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ص42.
(5) عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير الشيخ أحمد شاكر ج 1 ص 85.
(6) تفسير ابن جرير الطبري ،المجلد الأول ص 159- 160.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ كيف يكون القلب سليماً ؟

  • القلب السليم

    فريق عمل الموقع

    ·   قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا وإنَّ في الجسد مضغةً ، إذا صَلَحَتْ ، صَلَحَ

    16/08/2012 3256
  • يكون الله وحده إلهه

    ابن القيم

    " و كما أنّ السماوات و الأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا ، كما قال تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ

    24/10/2017 1151
  • إذا تعلق القلب بالمخلوق؛ عذب بهذا المخلوق

    خالد بن عثمان السبت

     و مما يصلح القلب أن يكون تعلقه بربه ومعبوده وخالقه جل جلاله : إذا تعلق القلب بالمخلوق؛ عذب بهذا المخلوق

    24/01/2018 2564