كيف يفيض نورُ الله على عباده وأوليائه ؟

الشيخ / فريد الأنصاري

وإذا أردت أن تشاهد كيف يفيض نورُ الله على عباده وأوليائه؛ فشاهِدْ قولَ الله جل وعلا:

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ!)

وتَدَبَّرْ أبعادها الكونيةَ العظمى! ثم تابِعْ مشاهدَ الآية بَعْدُ مُتَسَلْسِلَةً من خلال حديث رسول اللهe كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيحٍ مليحٍ، تُشَدُّ إليه الرِّحالُ! شعاع من نور الله، يرويه عن رسول الله؛ الصحابيُّ الجليلُ أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.. والله ما أحب أن لي به الدنيا وما فيها..! قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال:

(قَامَ فينا رسولُ الله صلى الله عليه و سلم  بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فقال: «إن الله عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ! ولاَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنَامَ! يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إليهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ! حِجَابُهُ النُّورُ!.. لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ!)(1) وأيُّ شيءٍ من خَلْقِهِ لا يَنْتَهي إليه بَصَرُهُ ؟!.. ألاَ سبحانه! سبحانه! والسُّبُحَاتُ: هي بهاءُ النورِ وفَيْضُ الحُسْنِ، من الجمال والجلال المتجلي عن ذاته جلَّ جلالُه!(2)

فسبحانه وتعالى من ربٍّ عظيم! هو النور وحجابه النور!

فعندما يجتمع الْجُلَسَاءُ متحلقين بمجالس القرآن، ويشرعون في الاشتغال بكتاب الله جل علاه؛ فإنما هم في الحقيقة يَصِلُونَ أرواحَهم بحبل الله النوراني مباشرةً، ويربطون مصابيح قلوبهم بمصدر النور الأكبر! فإذا بهم يستنيرون بصورة تلقائية، وبقوة لا نظير لها! وذلك بما اقتبسوا من نور الله العظيم! وإذا بهم يترقون بِمَعَارِجِ القرآن ومَدارِجِه إلى مشاهدة حقائق الإيمان، مشاهدةً لا يُضَامُونَ فيها شيئاً! وما كان للزجاج البلوري إذا أشرقت عليه أنوار الحقائق القرآنية إلا أن يكون مُشِعّاً! وذلك هو مَثَلُ أهل الخير المصلحين في الأرض، وَرَثَةِ الأنبياء من الربانيين والصِّدِّيقين!

فَلَكَ أن تقول إذن: إن مجالس القرآن وصالوناته – بما ذكرنا لها من إمكانات وخصائص - هي مدارسُ لتخريج مصابيح القرآن في الأمة!

فمن هنا إذن نشرع في بناء عمارة الروح بتصميم "مجالس القرآن"؛ من أجل تجديد الإيمان، وتصفية الوجدان، والسير إلى الله عبر أخصر طريق وأقربه! ومن أجْلِ تداولٍ اجتماعيٍّ للقرآن العظيم، والتزامٍ اجتماعي شامل؛ للمعلوم من مواثيق الدين بالضرورة! عسى أن نسهم في بناء نهضة إسلامية عَمَلِيَّةٍ شاملة، بإذن الله! ما نرى إلا أن إبَّانَها الحضاري قد آن، وأنَّ موسمها الكوني قد حَلَّ بعالم الإنسان! فهذه آمالُها القديمةُ تتمخض اليوم بالفعل لا بالتخمين، عبر آلام كل العالم الإسلامي، تنبت بالبشرى في كل مكان!


بقيت مسألة واحدة، قد تكون مدخلا للشيطان – نعوذ بالله السميع العليم منه – فيثبط النفس ويثقلها عن المبادرة إلى إنشاء مجالس القرآن! وذلك أنه ربما يتسلل إلى الخاطر عبر هذا السؤال: من له الأهلية لبناء مجلس قرآني؟ وسرعان ما تتوجه أصابع الاتهام إلى النفس: أنا لست أهلا؛ وإذن فلننتظر المهدي! ومن هنا فإننا نقول: نعم، العلماء الربانيون أولا، هم أولى بهذا المشروع من غيرهم، ولكن ليس وحدهم! بل بعدهم يأتي أهل الخبرة التربوية من الربانيين! وربما كان من هؤلاء من فاق أولئك! خاصة وأن المشروع يشتغل بالمعلوم من الدين بالضرورة، وليس موضوعا لتخريج الفقهاء والمفتين، فذلك له ميدان آخر غير ما نحن فيه، وإنما مجالس القرآن مجال للصناعة التربوية أساسا.


وذلك بناء على يقين حصلناه بالمشاهدة والتجربة: وهو أن هذا المشروع يصنع أساتِذَتَه! وهذا سِرٌّ من أسرار القرآن العجيبة! إن مدارسة القرآن العظيم بما هي تعبد محض، وسير قلبي إلى الله؛ إذا أقبل عليها العبد بإخلاص حقيقي فاضت عليه أنوار القرآن وحِكْمَتُه! وكان من شأنه ما كان، من تجليات الروح، وتحصيل التزكية والحِكْمَةِ الربانية، بصورة تلقائية ذاتية! كما سترى مفصلاً بأدلته بَعْدُ بحول الله! وتلك لعمري هي أهم خصائص الربانيين، الموكول إليهم تربية الخلق بهذه الأمة! وإنَّ من أسرار الإعجاز في هذا الدين، واستمرار انبعاثه إلى يوم الدين؛ أنَّ تجديده متعلق بسِرٍّ إلهي، يتمثل في فعل من أفعال الله تبارك اسمه، إذ يتجلى على بعض عباده من نور إرادته وقدرته، ألا وهو: "البعث"! فتجديد الدين لا يكون إلا "بعثا"، وإنما "البعث" فعلٌ من قدرة الله وإرادته، لا من فعل الإنسان، وإنما الإنسان فيه مستجيب لإرادة الله! فتَدَبَّرْ بِتَأنٍّ كبيرٍ الحديثَ النبوي المشهور، حيث قال صلى الله عليه وسلم:

(إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)

رواه ‌أبو داود والحاكم والبيهقي في المعرفة‌، عن أبي هريرة‌ مرفوعا. وصححه الألباني، رقم‌:‌ 1874 في صحيح الجامع‌.

. وقد جرت العادة أن الناس اليوم ينتبهون أكثر إلى فعل "التجديد"، الذي فاعله هو الإنسان، وقلَّما ينتبهون إلى فعل "البعث"، الذي فاعله هو الله جَلَّ جَلاَلُه! وإنما ذلك ناتج عن هذا، والعكس غير صحيح! فلا تجديد إلا ببعث!

والله جَلَّ وعَلاَ بين لنا كيف يبعث روح التجديد في النفوس، ببيانات واضحة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما ذلك الروح هو: القرآن! فمن أقبل عليه بصدق كان من أهل الله وخاصته! كما سترى بحول الله. فإن لم يكن عالما كان حكيما.

(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا! وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ!)

(البقرة:269)

فيا من تبحث مثلي عن طريق الله! برنامَجُك العملي وميثاقُك الدعوي؛ كتاب واحد، لا ثاني له: هو القرآن العظيم! وشيخُك الراعي وأستاذك الداعي؛ مُرَبِّ واحدٌ لا نظير له: هو من

(كان خُلُقُهُ القرآن)

رواه مسلم.

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأما مَقَرُّك الدعوي، ومنطلقك (الاستراتيجي) فمكان واحد لا بديل له: هو بيت الله! فاطرق باب المسجد تَجِدْ وجهَ الله! وادخل فضاءَ القرآن تَسْمَعْ كلامَ الله!

المراجع

  1. رواه مسلم.
  2.  شرح النووي على صحيح مسلم: 3/14


مقالات مرتبطة بـ كيف يفيض نورُ الله على عباده وأوليائه ؟

  • ادع بما في الكتاب و السنة

    فريق عمل الموقع

    قال القرطبي رحمه الله : " فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء، ويدع ما سواه ، ولا يقول

    14/09/2018 236
  • الحَق

    محمود عبد الرزاق الرضواني

     الحَق جل جلاله قال تعالى: } فتعالى الله الملكُ الحق لا إلهَ إلا هوَ رَبُّ العرشِ الكَرِيم {

    30/08/2010 1903
  • الله ربنا جليل الصفات

    محمد خير رمضان يوسف

    الله ربُّنا جليلُ الصفات، عظيمُ المنن، كثيرُ العطايا، جميلُ الإحسان، محبٌّ للعفو، يقبلُ توبةَ عباده، ويجزيهم على

    10/05/2019 24