كيف نتعرف على أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة ؟

محمود عبد الرزاق الرضواني

كيف نتعرف على أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة ؟

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الأسماء الحسنى التي ندعو الله بها ؟ وكيف يمكن التعرف عليها ؟ قال ابن الوزير: (تمييز التسعة والتسعين يحتاج إلى نص متفق على صحته أو توفيق رباني، وقد عدم النص المتفق على صحته في تعيينها، فينبغي في تعيين ما تعين منها الرجوع إلى ما ورد في كتاب الله بنصه أو ما ورد في المتفق على صحته من الحديث) ([1][1]).

والرجوع إلى ما أشار إليه ابن الوزير مسألة أكبر من طاقة فرد وأوسع من دائرة مجد؛ لأن الشرط الأول والأساسي في إحصاء الأسماء هو فحص جميع النصوص القرآنية وجميع ما ورد في السنة النبوية مما وصل إلينا في المكتبة الإسلامية، وهذا الأمر يتطلب استقصاء شاملا لكل اسم ورد في القرآن، وكذلك كل نص ثبت في السنة، ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة لتحقيق القول في إسم واحد .

وذلك في العادة خارج عن قدرة البشر المحدودة وأيامهم المعدودة؛ ولذلك لم يقم أحد من أهل العلم سلفا وخلفا بتتبع الأسماء حصرا، وإنما جمع كل منهم ما استطاع باجتهاده ووسعه، وكان أغلبهم يكتفي برواية الترمذي، أو ما رآه صوابا عند ابن ماجة والحاكم، فيقوم بشرحه وتفسيره كما فعل كثير من الأئمة كالزجاج والخطابي والبيهقي والقشيري والغزالي والرازي والقرطبي وغيرهم من القدامى والمعاصرين .

ولما يسر الله  عز وجل الأسباب في هذا العصر أصبح من الممكن إنجاز مثل هذا البحث في   وقت قصير نسبيا، وذلك باستخدام الكمبيوتر والموسوعات الالكترونية التي قامت على خدمة القرآن الكريم، وحوت آلاف الكتب العلمية واشتملت على المراجع الأصلية للسنة النبوية وكتب التفسير والفقه والعقائد والأدب والنحو وغيرها الكثير والكثير .

لقد كان لارتباط التقنية الحديثة بمجال العقيدة أثر كبير في ظهور المفاجأة التي لم    تكن متوقعة، وهي تصديق البحث الحاسوبي لقول النبي  صلى الله عليه وسلم : (إن للهِ تِسْعَة وَتِسْعِين اسْمَا مِائة إلا وَاحِدًا) .

ولنبدأ أولا بذكر الشروط أو الضوابط التي يتمكن من خلالها أي مسلم أن يتعرف بسهولة ويسر على كل اسم من الأسماء الحسنى، والدليل على تلك الشروط من كتاب الله:

الشرط الأول للإحصاء ثبوت الاسم نصا في القرآن أو صحيح السنة

طالما أنه لم يصح عن النبي  صلى الله عليه وسلم  حديث في تعينها وسردها فلا بد لإحصائها من وجود الاسم نصا في القرآن أو صحيح السنة، وهذا الشرط مأخوذ من قوله تعالى: } وَللهِ الأسْمَاءُ الحسْنى فَادعُوه بها{، ولفظ الأسماء يدل على أن أنها معهودة موجودة، فالألف واللام للعهد، ولما كان دورنا حيال الأسماء هو الإحصاء دون الاشتقاق والإنشاء، فإن الإحصاء لا يكون إلا لشيء موجود ومعهود  ولا يعرف ذلك إلا بما نص عليه القرآن أو ثبت في صحيح السنة .

ومعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة أن الأسماء توقيفية على الأدلة السمعية، ولا بد فيها من تحري الدليل بطريقة علمية تضمن لنا مرجعية الاسم إلى كلام الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى ما ورد في القرآن الكريم بنصه أو صح في السنة؛ فمحيط الرسالة لا تخرج عن هذه الدائرة .

أما القواعد التي يعتمد عليها في تمييز الحديث المقبول من المردود، والصحيح من الضعيف فهي قواعد المحدثين، أو ما عرف بعلم مصطلح الحديث الذي يشترط في الحديث الصحيح اتصال السند بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، وعلى ما هو معتبر أيضا في قواعدهم وأصولهم ([2][2]) .

وليس كل ما نسب إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  يقبل بلا ضابط أو نقاش، فلا بد من الترابط العلمي المتصل بين رواة السند؛ بحيث يتلقى الراوي اللاحق عن السابق؛ فلا يكون بين اثنين من رواة الحديث فجوة زمنية أو مسافة مكانية يتعذر معها اللقاء أو يستحيل معها التلقي والأداء .

كما يلزم أيضا اتصاف الرواة بالعدالة، وهى صفة خلقية تكتسبها النفس الإنسانية، وتحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ومجانبة الفسوق والابتداع؛ فلا يعرف بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، ولا بد أن يتصف الراوي أيضا بالضبط، والتثبت من الحفظ، والسلامة من الخطأ، وانعدام الوهم مع القدرة على استحضار ما حفظه، وهذا شرط في جميع رواة الحديث الصحيح من أول السند إلى آخره .

يضاف إلى ذلك عدم مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه وأثبت، ولا يكون في روايته أيضا   علة قادحة أو سبب ظاهر يؤدي إلى الحكم    بعدم ثبوت الحديث، فالطريق الوحيد المعتمد في ثبوت السنة هو الالتزام بقواعد المحدثين وأصولهم في معرفتها ([3][3]) .

أما الحكم على ثبوت أحاديث النبي  صلى الله عليه وسلم   بالرؤية العقلية أو الأصول الكلامية أو المناهج الفلسفية أو الكشوفات الذوقية فلا مجال له ولا عبرة به؛ لأن الآراء العقلية كثيرة ومتضاربة والمواجيد الذوقية مختلفة ومتغيرة، فالحكم على حديث الرسول  صلى الله عليه وسلم   في تلك الحالة يحكمه الهوى ويسوقه استحسان النفس .

أما الأسماء التي لم تتوافق مع هذا الشرط مما اشتهر في جمع الوليد بن مسلم المدرج في رواية الترمذي، والمشهور بين الناس منذ أكثر من ألف عام فهما الواجد والماجد .

وفي غير تلك الرواية مما لم يثبت أيضا من أسماء الله الحسنى النظيف والسخي والحنان والهْوِيّ والمفضل والمنعم ورمضان وآمين والأعز والقيام لأنها جميعا لم تثبت إلا في روايات ضعيفة أو موقوفة أو قراءة شاذة .

الشرط الثاني للإحصاء علمية الاسم واستيفاء العلامات اللغوية

يشترط في جمع الأسماء الحسنى وإحصائها من الكتاب والسنة أن يرد الاسم في النص مرادا به العلمية ومتميزا بعلامات الاسمية المعروفة  في اللغة، كأن يدخل عليه حرف الجر كما ورد في قوله  عز وجل : } وَتوكل عَلَى الحَيِّ الذِي لا يموت { [الفرقان:58]، أو يرد الاسم منونا كقوله تعالى: } سَلامٌ قَولا مِنْ رَب رَحِيم { [يس:58]، أو تدخل عليه ياء النداء كما ثبت في دعاء النبي  صلى الله عليه وسلم : (يَا حَيُّ  يَا قَيُّوم) ([4][4])، أو يكون الاسم معرفا بالألف واللام كقوله  عز وجل : } سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى { [الأعلى:1]، أو يكون المعنى مسندا إليه محمولا عليه كقوله: } الرَّحْمَنُ فَاسْأل به خَبيرا { [الفرقان:59]، فهذه خمس علامات يتميز بها الاسم عن الفعل والحرف وقد جمعها ابن مالك في قوله:

بالجر والتنوين والندا وأل  ومسند للاسم تمييز حصل ([5][5]) . فلا بد إذا أن تتحقق في الأسماء الحسنى علامات الاسم اللغوية .

ودليل هذا الشرط قوله  عز وجل : } وَللهِ الأسْمَاءُ الحسْنى فَادعُوه بها {، وقوله: } فَله الأسْمَاءُ الحسْنى {، ولم يقل: ولله الأوصاف الحسنى أو فله الأفعال الحسنى، وشتان بين الأسماء والأوصاف والأفعال؛ فالوصف يتبع الموصوف ولا يقوم بنفسه كالعلم والقدرة والعزة والحكمة والرحمة والخبرة، وإنما يقوم الوصف بموصوفه ويقوم الفعل بفاعله إذ لا يصح أن نقول: الرحمة استوت على العرش أو العزة أجرت الشمس أو العلم والحكمة والخبرة أنزلت الكتاب وأظهرت على النبي  صلى الله عليه وسلم  ما غاب من الأسرار .

فهذه كلها أوصاف لا تقوم بنفسها بخلاف الأسماء الحسنى الدالة علي المسمى الذي اتصف بها كالرحمن الرحيم والعزيز العليم والخبير الحكيم القدير، كما أن معنى الدعاء بالأسماء الحسنى في قوله تعالى: } فَادعُوه بها { أن تدخل على الأسماء أداة النداء سواء ظاهرة أو مضمرة، والنداء من علامات الاسمية .

وعلى ذلك فإن كثيرا من الأسماء المشتهرة على ألسنة الناس ليست من الأسماء الحسنى، وإنما هي في حقيقتها أوصاف أو أفعال لا تقوم بنفسها، فكثير من العلماء ورواة الحديث جعلوا المرجعية في علمية الاسم إلى أنفسهم وليس إلى النص الثابت، فاشتقوا لله أسماء كثيرة من الأوصاف والأفعال، وهذا يعارض ما اتفق عليه السلف في كون الأسماء الحسنى توقيفية على النص .

من الذي سمى الله  عز وجل الخافض المعز المذل العدل الجليل الباعث ؟

إذا كان الأمر كذلك فمن الذي سمى الله  عز وجل الخافض المعز المذِل العَدل الجَلِيل الباعِث المحْصِي المبدِيء المعِيد الممِيت المقسِط المغنِي المَانِعُ الضَّارّ النافِع الباقِي الرَّشِيد الصَّبُور ؟

هذه جميعها ليست من أسماء الله الحسنى لأن الله  عز وجل لم يسم نفسه بها، وكذلك لم ترد في صحيح السنة، وإنما سماه بها الوليد بن مسلم ضمن ما أدرجه باجتهاده في رواية الترمذي المشهورة، فالخافض مثلا لم يرد في القرآن أو السنة اسما، وإنما ورد بصيغة الفعل فيما صح عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: (إن اللهَ  عز وجل لاَ يَنام وَلاَ يَنْبغِي لَه أنْ يَنامَ يَخفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُه) ([6][6]) .

ولا يجوز لنا أن نشتق لله  عز وجل من كل فعل اسما، ولم يخولنا الله في ذلك قط، وإنما أمرنا سبحانه بإحصاء أسمائه وجمعها وحفظها ثم دعاؤه بها، فدورنا حيال الأسماء الحسنى الإحصاء وليس الاشتقاق والإنشاء .

ولو أصر أحد على تسمية الله بالخافض وأجاز لنفسه ذلك فيلزمه تسميته البناء لأنه بنى السماء، والسقاء لأنه سقى الغيث وسقى أهل الجنة شرابا طهورا، والمدمدم لأنه دمدم على ثمود، والمدمر لأنه دمر على الكافرين، والطامس لأنه طمس على أعينهم، والماسخ لأنه مسخهم على مكانتهم، والمقطع لأنه قطع اليهود أمما .

وكذلك يلزمه تسمية الله  عز وجل المنسي لأنه أنساهم ذكره، والمفجر لأنه فجر الأرض عيونا، والحامل لأنه حمل نوحا على ذات ألواح ودسر، والصباب والشقاق لأنه قال: } أنا صَببنا المَاءَ صَبّاً ثم شقَقنا الأرْضَ شقا { [عبس:25/26]، وغير ذلك من مئات الأفعال في الكتاب والسنة والتي سيقلبها دون حق إلى أسماء .

ويقال هذا أيضا في اشتقاق الوليد بن مسلم وغيره لاسميه للمعز المذل حيث اشتق هذين الاسمين من قوله  عز وجل : } قلِ اللهم مَالِكَ الملك تؤتِي الملكَ مَنْ تشاءُ وَتنْزِعُ الملكَ ممن تشاءُ وَتعِز مَنْ تشاءُ وَتذِل مَنْ تشاءُ بيدِكَ الخيْرُ إنكَ عَلى كلِّ شيْءٍ قَدِيرٌ { [آل عمران:26]، فالله  عز وجل أخبر أنه يؤتي ويشاء وينزع ويعز ويذل، ولم يذكر في الآية بعد مالك الملك واسمه القدير سوى الأفعال، فاشتقوا لله اسمين من فعلين وتركوا على قياسهم اسمين آخرين، فيلزمهم تسمية الله  عز وجل بالمؤتِي وَالمنْزِعُ فضلا عن تسميته بالمشيء طالما أن المرجعية في علمية الاسم إلى الرأي والاشتقاق دون التتبع والإحصاء .

وكذلك العدل لم يرد في القرآن اسما أو فعلا ولا دليل لمن سمى الله بهذا الاسم سوى الأمر بالعدل في قوله  عز وجل : } إن اللهَ يَأمرُ بِالعَدلِ والإحسان { [النحل:90] . أما الجليل فلم يرد اسما في الكتاب أو صحيح السنة، ولكن ورد وصف الجلال في قوله تعالى: } وَيَبقَى وَجْه رَبِّكَ ذُو الجلالِ وَالإكْرَامِ { [الرحمن:27]، وفرق كبير بين الاسم والوصف .

وكذلك الباعِث المحْصِي لا دليل على إثبات هذين الاسمين، والذي ورد في القرآن والسنة صفات الأفعال فقط كقوله تعالى: } يَومَ يَبعَثهم الله جَمِيعاً فَيُنبِّئُهمْ بِمَا عَمِلوا أحْصَاه الله وَنسُوه وَالله عَلَى كلِّ شيْءٍ شهِيدٌِ { [المجادلة:6]، وهي كثيرة في القرآن والسنة .

ومن الملاحظ أن الوليد بن مسلم اشتق الباعث من قوله: (يَبعَثهم) والمحصي من قوله: (أحْصَاه الله) ترك المنبئ من قوله: (فَينبِّئُهمْ) لأن الآية لم يرد فيها بعد اسم الله الشهيد سوى الأفعال التي اشتق منها فعلين وترك الثالث في حين أن تلك الأسماء جميعها لم ترد نصا صريحا في الكتاب أو صحيح السنة .

وكذلك القول في اسميه المبدِيء المعِيد فهما اسمان لا دليل على ثبوتهما، فقد استند من سمى الله بهذين الاسمين إلى اجتهاده في الاشتقاق من الفعلين الذين وردا في قوله  عز وجل : } إنه هوَ يُبدِئُ وَيُعِيدُ { [البروج:13]، ومعلوم أن أسماء الله الحسنى توقيفية على النص، وليس في الآية سوى الفعلين فقط .

أما الضار النافع فهذان الاسمان بعد البحث الحاسوبي تبين أنهما لم يردا في القرآن أو السنة، وليس لمن سمى الله بهما إلا اجتهاده  في الاشتقاق من المعنى الذي ورد في قوله تعالى: } قل لا أمْلِكُ لِنفسِي نفعاً وَلا ضَرّاً إلا مَا شاءَ الله { [الأعراف:188]. ولم يُذكر في الآية النص على الاسم أو حتى الفعل، ولم يرد الضار اسما ولا وصفا ولا فعلا .

وعملية البحث الحاسوبي أصبحت يسيرة للتعرف على عدم ثبوت اسم الممِيت المقسِط المغنِي المَانِع الباقِي الرشِيد الصَّبُور ؟.

الشرط الثالث للإحصاء إطلاق الاسم دون إضافة أو تقييد

والمقصود بهذا الشرط أن يرد الاسم مطلقا دون تقييد ظاهر أو إضافة مقترنة بحيث  يفيد المدح والثناء على الله بنفسه، لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال على قدر المضاف وشأنه، وقد ذكر الله  عز وجل أسماءه بطلاقة الحسن فقال: } وَللهِ الأسْمَاءُ الحسْنى {  أي البالغة مطلق الحسن بلا حد ولا قيد .

قال القرطبي: (وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع لإطلاقها والنص عليها) ([7][7]).

ويدخل في الإطلاق أيضا اقتران الاسم بالعلو المطلق فوق الخلائق؛ لأن معاني العلو هي في حد ذاتها إطلاق؛ فالعلو يزيد الإطلاق كمالا على كمال وجمالا فوق الجمال .

وكذلك أيضا إذا ورد الاسم معرفا بالألف واللام مطلقا بصيغة الجمع والتعظيم فإنه يزيد الإطلاق عظمة وجمالا وحسنا وكمالا وينفي في المقابل أي احتمال لتعدد الذوات أو دلالة الجمع على غير التعظيم والإجلال .

قال ابن تيمية في تقرير الشروط الثلاثة السابقة: (الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) ([8][8]) .

وإذا كانت الأسماء الحسنى لا تخلو في أغلبها من تصور التقييد العقلي بالممكنات وارتباط آثارها بالمخلوقات كالخالق والخلاق والرازق والرزاق، أو لا تخلو من تخصيص ما يتعلق ببعض المخلوقات دون بعض؛ كالأسماء الدالة على صفات الرحمة والمغفرة مثل الرحيم والرءوف والغفور فإن ذلك التقييد لا يدخل تحت الشرط المذكور .

وإنما المقصود هو التقييد بالإضافة الظاهرة في النص أو المركبة من إضافة اسم الإشارة إلى الوصف، فلا يدخل في أسماء الله الحسنى إفراد البالغ وإطلاقه، إذا الحسن هنا في تقييده؛ فلا بد من ذكره مضافا كما في قوله تعالى: } إن اللهَ بالِغ أمْرِهِ { [الطلاق:3]، ولا يصح إطلاقه في حق الله، بل يذكر كما ورد النص .

وكذلك المخزي يذكر مضافا دون إطلاق كما ورد في قوله الله تعالى: } وَأن اللهَ مخْزِي الكَافِرِين { [التوبة:2]، وكذلك ليس من أسمائه الحسنى العدو لأنه مقيد كما في قوله: } فَإن اللهَ عَدُوٌّ لِلكَافِرِين { [البقرة:98]، وليس من أسمائه الخادع لأنه مقيد، وحسنه في تقييده كما في  قوله  عز وجل : } إن المنافِقِين يُخادِعُون اللهَ وَهوَ خادِعُهمْ { [النساء:142] . وكذلك المتم في قوله  عز وجل : } وَالله متِم نُورِهِ { [الصف:8]، والفالق والمخرج في قوله تعالى: } إن اللهَ فَالِق الحَبِّ وَالنوى .. وَمخْرِجُ المَيِّتِ { [الأنعام:95] .

فالاسم المطلق كالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن هو المعني بالحسن المطلق، أما الاسم المركب والمضاف والمقيد فحسنه وكماله في أن يذكر كما ورد به النص القرآني أو النبوي، وأن تدعوا الله به كما هو فتقول: يا ذا الجلال والإكرام، ويا ذا الطول، ولا تقل: يا ذو، أو يا طول، وتقول أيضا كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم : (يا مقلب القلوب)، ولا تدعو فتقول: يا مقلب فقط من غير الإضافة الواردة في النص .

ومثال ما لا يتوافق مع شرط الإطلاق مما ورد مضافا أو مقيدا اسم الله الغافر والقابل والشديد والفاطر والجاعل والمتوفي والرافع والمطهر والمهلك والحفي والمنزل والسريع والمحيي  والرفيع والنور والبديع والكاشف والصاحب والخليفة والقائم والزارع والموسع والمنشيء والماهد والجامع والمبرم والمستعان والحافظ  والعالم والعلام والمنتقم والغالب والصادق وغير ذلك  من الأسماء المقيدة والمضافة .

فهذه أسماء تذكر في حق الله على الوضع الذي قيدت به، ويدعى بها على ما ورد في النص من غير إطلاق، لأن ذلك هو كمالها وحسنها . 

الشرط الرابع لإحصاء الأسماء الحسنى دلالة الاسم على الوصف

والمقصود بدلالة الاسم على الوصف أن يكون اسما على مسمى؛ لأن القرآن بين أن أسماء الله أعلام وأوصاف، فقال تعالى في الدلالة على علميتها: } قلِ ادعُوا اللهَ أوِ ادعُوا الرَّحْمَن أيّا مَا تدعُوا فَله الأسْمَاءُ الحسْنى {، فكلها تدل على مسمى واحد؛ ولا فرق بين الرحمن أو الرحيم أو الملك أو القدوس أو السلام إلى آخر ما ذكر في الدلالة على ذاته  عز وجل .

وقال في كونها دالة على الأوصاف: } وَللهِ الأسْمَاءُ الحسْنى فَادعُوه بها {، فدعاء الله بها مرتبط بحال العبد ومطلبه وما يناسب حاجته واضطراره من ضعف أو فقر أو ظلم أو قهر أو مرض أو جهل أو غير ذلك من أحوال العباد، فالضعيف يدعو الله باسمه القادر المقتدر القوي، والفقير يدعوه باسمه الرازق الرزاق الغني والمقهور المظلوم يدعوه باسمه الحي القيوم، إلى غير ذلك مما يناسب أحوال العباد والتي لا تخرج على اختلاف تنوعها عما أظهر لهم من أسمائه الحسنى . ولو كانت الأسماء جامدة لا تدل على وصف ولا معنى لم تكن حسنى، لأن الله أثنى بها على نفسه فقال: } وَلله الأسْمَاءُ الحسْنى { والجامد لا مدح فيه ولا دلالة له على الثناء .

كما أنه يلزم أيضا من كونها جامدة أنه لا معنى لها، ولا قيمة لتعدادها، أو الدعوة إلى إحصائها، ويترتب على ذلك أيضا رد حديث أبي هريرة في الصحيحين: (إن للهِ تِسْعَة وَتِسْعِين اسْمَا) .

أما مثال ما لم يتحقق فيه شرط الدلالة على الوصف من الأسماء الجامدة ما صح عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: (قَالَ الله  عز وجل : يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدهْرَ وَأنا الدهْرُ، بيدِي الأمْرُ أقَلبُ الليْلَ وَالنهَارَ) ([9][9])؛ فالدهر اسم لا يحمل معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، كما أنه في حقيقته اسم للوقت والزمن، فمعنى أنا الدهر أي خالق الدهر ([10][10]) .

ويلحق بذلك أيضا الحروف المقطعة في أوائل السور والتي اعتبرها البعض من أسماء الله، فلا يصح أن تدعو الله بها فتقول في قوله تعالى (ألم): اللهم يا ألف، أو يا لام، أو يا ميم اغفري لي .

الشرط الخامس للإحصاء دلالة الوصف على الكمال المطلق

والمقصود أن يكون الوصف الذي دل عليه الاسم في مطلق الجمال والكمال فلا يكون المعنى عند تجرد اللفظ منقسما إلى كمال أو نقص أو يحتمل شيئا يحد من إطلاق الكمال والحسن، ودليل ذلك الشرط قوله  عز وجل : } وَللهِ الأسْمَاءُ الحسْنى فَادعُوه بها { وكذلك قوله: } تبارَكَ اسْم رَبِّكَ ذِي الجلالِ وَالإكْرَام { [الرحمن:78]، فالآية تعني أن اسم الله تنزه وتمجد وتعظم وتقدس عن كل نقص؛ لأنه  عز وجل له مطلق الحسن والجلال وكل معاني الكمال والجمال .

وعلى ذلك ليس من أسمائه الحسنى الماكر والخادع والفاتن والمضل والمستهزئ والكايد والمنتقم والطبيب والخليفة ونحوها لأن ذلك يكون كمالا في موضع ونقصا في آخر، فلا يوصف الله به إلا في موضع الكمال فقط كما ورد نصه مقيدا في القرآن والسنة .

تلك هي الشروط أو الضوابط أو الأسس التي تضمنها قوله تعالى: } وَللهِ الأسْمَاءُ الحسْنى فَادعُوه بها { [الأعراف:180] .

 وعند تتبع ما ورد في الكتاب والسنة من خلال الموسوعات الإلكترونية، واستخدام تقنية البحث الحاسوبية، وما ذكره مختلف العلماء الذين تكلموا في إحصاء الأسماء، والذين بلغ إحصاؤهم جميعا ما يزيد على المائتين والثمانين اسما ثم مطابقة هذه الشروط على ما جمعوه فإن النتيجة التي يمكن لأي باحث أن يصل إليها هي تسعة وتسعون اسما دون لفظ الجلالة تصديقا لقول النبي  صلى الله عليه وسلم : (إنّ للهِ تسعَة وَتسْعِين اسمَا مِائة إلا وَاحِدًا مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنة) .

 وسوف نذكرها إن شاء الله اسماً اسماً مع مختصر وجيز نذكر فيه الدليل على كل اسم، وشرح موجز لمعناه، وكيفية الدعاء به على مقتضى ما وردت به أدعية القرآن الكريم وما ثبت عن النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه  رضي الله عنهم ، وكذلك ما ينبغي على المسلم من سلوك عملي يبين أثر كل اسم في توحيده لله  ، تحقيقا للدعاء بالأسماء دعاء مسألة ودعاء عبادة .

 -----------------------------

(1)     العواصم 7/228 .

(2)          المنهل الروي لابن جماعة ص33 بتصرف .

(3)          شرح النووي على صحيح مسلم 1/27 .

(4)          صحيح أبي داود 1326.

(5)          شرح ابن عقيل1/21.

(6)          صحيح مسلم (179) .

(7)          تفسيرالقرطبي10/343.

(8)          شرح العقيدة الأصفهانية ص19.

(9)          صحيح البخاري (4549) .

(10)      فتح الباري10/566 .

مقالات مرتبطة بـ كيف نتعرف على أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة ؟