في الفرق بين التدارس والتدبر

الشيخ / فريد الأنصاري


فتَبَيَّنَ من ذلك كله إذن أن هناك فرقا أساسيا بين التدارس والتدبر، رغم وجود تداخل منهجي بين جميع العمليات والخطوات. فالتدارس: هو عملية تعليمية ذهنية، تشتغل من داخل النص القرآني لاَ خارجه، وينتجها العقلُ في علاقته بنص الخطاب القرآني مباشرةً، وفي ارتباطه بلغته وأساليبه، على قَدْرِ ما تتيحه تلك اللغةُ من مَعانٍ وحِكَمٍ ودلالات. بينما التَّدَبُّر: عمليةٌ قلبية ذوقية محضة. فهي - وإن صاحبت التدارس - واقعةٌ في النفس لا في النص! إنها حركة وجدانية تجري خارج النص القرآني، إنها تتلقى المعاني والحِكَمَ من التدارس، ثم تَدْخُلُ بها إلى أعماق النفس، أو تخرج بها إلى مطالعة أحوال المجتمع؛ لتراقب النفس والمجتمع معاً على موازينها. تُشَخِّصُ الأمراضَ والأسقام الواقعة بهما، ثم تنظر إلى وصفات العلاج التي قدمها لها القرآن: كيف تتعامل معها؟ وكيف تستشفي بها؟ وذلك هو عين التخلق بأخلاق القرآن والتزكية بأنواره. فهذا عملٌ في النفس وفي المجتمع، لا في النص القرآني أساسا، وإن كان مَدارُهُ عليه. وذلك هو المقصود بالتدبر للقرآن في قوله تعالى:

(أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ أمْ عَلَى قُلُوبٍ أقْفَالُهَا؟)

.. والله تعالى أعلم.


وهنا نلج إلى باب آخر من أبواب القرآن رديف للتدبر، بل هو منه. ذلك هو: التَّفَكُّرُ. إن التَّفَكَّرَ غالبا ما يرد مذكورا في القرآن في سياق النظر في خلق الله، والتأمل في بديع صنعه من الْمُلْكِ والْمَلَكُوت،

كما في قوله تعالى: 

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِم.ْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا. رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)

(آل عمران:190-194)

فكل هذه الأدعية العابدة، الحارة، الخاشعة، الباكية؛ إنما هي نابعة عن الإحساس الحاصل للعبد بُعَيد التفكر في خلق الله، فاقرأ الآيات وتدبر.. تجد أن المؤمن لما يسيح في جنبات الكون الفسيح، يشعر بعظمة الله الواحد القهار، وتأخذه الرهبة من جلال ملكه وعظمة سلطانه؛ فيسرع هاربا إلى مساكن رحمته، وجمال غفرانه.

وبما أن القرآن كتاب يحيل المتدبر له على سعة الكون وامتداده الفسيح، ويرجع به إلى كشف كثير من أسرار الوجود، وغرائب الخلق؛ فإن (التدبر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة القرآن؛ يحيل الإنسان على (التفكر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة الكون. فيكون كل متدبر للقرآن متفكرا في الكون. فتقرأ - بقراءة القرآن - كلَّ آيات الله المنظورة والمقروءة سواء.


وبذلك كله يتم لك شيء آخر، هو: الإبصار.

إن التدبر والتفكر كليهما، يعتبران بمثابة الضوء، أو الشعاع المسلط على الأشياء، تماما كما تسلط الشمس أشعتها المشرقة - في اليوم الصحو - على الموجودات، فتبصرها الأعين الناظرة. فكذلك التدبر يكشف حقائق الآيات القرآنية، والتفكر يكشف حقائق الآيات الكونية، حتى إذا استنارت هذه وتلك؛ أبصرها المتدبرون والمتفكرون. وكانت لهم فيها بصائر ومشاهَدات لا تكون لغيرهم.

ولذلك قال عز وجل:

 (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)

(الأنعام:104).

وقال سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)

(الحشر:2).

هكذا وجب أن تقرأ القرآن آية آيةً؛ اقرأ وتدبر ثم أبصر!.. عسى أن ترى ما لم تر، وتدرك من حقائقه ما لم تدرك من قبل؛ فتكون له متدبرا حقا !

ذلك كله هو أساس التزكية، ومقياس التصفية، ومنهاج التربية، وسلم العروج إلى رضى الرحمن. فاقرأ القرآن، وتدارس، وتدبر ثم أبصر!.. حتى يأتيك اليقين.

فاصبر على هذا المنهج؛ فإن كل آية تسلمك إلى الأخرى، وتفتح لك باب أسرارها وأنوارها؛ فتهبك معرفةً جديدةً بنفسك وبربك، وتبني لك من شخصيتك ما لم تستطع أنت بناءه من قبل؛ لعلة ما، أو لمانع ما! ذلك أن النور الإلهي المتفجر من الآيات – عند تدارسها - بصائرَ للمتدارسين والمتدبرين؛ يتدفق مباشرة على مرايا نفوسهم، فإذا بها مُشِعَّةٌ بنور الإيمان، مُبْصِرَةٌ ببركة القرآن بإذن الله! فتتبع مسالك النور حتى تصل، إن شاء الله.


مقالات مرتبطة بـ في الفرق بين التدارس والتدبر