فصل في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المعطلين

فصل في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المعطلين

عبد الخالق بن جار الله

وهذا النوع يسمى توحيد الإلهية وتوحيد العبادة، وهو إفراد الله بالعبادة الظاهرة والباطنة. وحقيقة هذا التوحيد هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والتقرب إلى الله بمعرفة ذلك وفهمه واعتقاده فإنه أصل التوحيد وأساسه، ثم القيام التام بعبودية القلب وهو قوة الإنابة إلى الله بمحبته وخوفه ورجائه وسائر أعمال القلوب، ثم القيام بالصلاة فرضها ونفلها، والزكاة والصدقة والصيام والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله بالقول والفعل، وأداء حقوق الله وحقوق عباده الواجبة والمستحبة، وترك ما يكرهه الله ورسوله من المحرمات والمكروهات، وإخلاص ذلك كله لله تعالى، فكل هذا داخل في عبادة الله وتوحيده، ولا يتم ذلك إلا بتكميلها بالصدق وهو الجد والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه وأحسنها، وأن تكون موافقة لمرضاة الله وما شرعه رسوله،


فهذه الثلاث: الإخلاص والمتابعة والصدق من اجتمعت له تم له هذا التوحيد. فإن الإخلاص ينفي الشرك الأكبر الجلي وهو صرف نوع من العبادة لغير الله واتخاذ ند مع الله، وكمال الإخلاص ينفي الشرك الأصغر في الألفاظ ووسائل الشرك، والصدق ينفي الكسل والفتور ونقصان العمل، والمتابعة تنفي البدع القولية الاعتقادية والبدع الفعلية، فبهذا يتحقق التوحيد، وكمال هذا بتكميل محبة الله وتقديمها عن كل محبة، ومحبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه الله من الأشخاص والأعمال والأزمنة والأمكنة.



وبراهين هذا التوحيد أقوى البراهين: براهينه العلم بتفرد الرب بالربوبية والعظمة والكبرياء والسلطان، وأنه ما بالعباد من نعمة ظاهرة وباطنة إلا منه، وهو الذي يأتي بالحسنات ويدفع السيئات، وهو المنفس لكرب المكروبين وإغاثة المضطرين، وهو الذي يجير ولا يجار عليه

"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ"

سورة الشورى آية 28.

ومن براهينه أن جميع الكتب السماوية وجميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم دعوا إلى توحيده وإخلاص العمل له. وأنه مركوز في عقول جميع العقلاء - التي لم تغيرها العقائد الباطلة - وجوب عبادته وحده لا شريك له، ووجوب حمده وشكره وإخلاص العمل له.


ومن براهينه معرفة أوصاف ما عبد من دونه من جميع المخلوقين، وأنه ليس فيهم من خصائص الإلهية شيء بل هم ناقصون فقراء عاجزون

"لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ"

(سورة سبأ آية 22)

 "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ"

(1 )

فنسأل الله الكريم الوهاب أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته وإخلاص الدين له، وأن يكمل لنا توحيده بقوة الإنابة إليه والشوق إلى لقائه والتلذذ بخدمته واللهج بذكره. وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا. ويكره لنا الكفر والفسوق والعصيان ويجعلنا من الراشدين إنه جواد كريم.

المراجع

  1.  سورة الأحقاف آية 5 ، 6.

مقالات مرتبطة بـ فصل في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المعطلين