عصر التنوير

فريق عمل الموقع

 

عصر التنوير :

امتدت تلك المسيرة الشيطانية بظلماتها حتى عصر التنوير ، الذى قام لمواجهة عصور الظلمات والإستبداد الكنسى . وذلك لا يعنى أنه لم تكن هناك معارضات كاشفة أو فاضحة طوال هذه الفترة. فكل خطوة من هذه الخطوات التحريفية كانت تقابلها محاولة من المحاولات الكاشفة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر من المؤرخين القدامى : سلسيوس وكتابه "الخطاب الحق" سنة 178م ، وهو من أهم الكتب المنهجية فى نقد المسيحية فى عصر الوثنية ؛ وبورفير (234ـ310) ، وخاصة الإمبراطور جوليان  الذى حاول خلال فترة حكمه التى امتدت حوالى عامين (361ـ363) ، التصدى للمسيحية ووقف عملية تنصير الدولة التى بدأها قسطنطين وفرضها فى مجمع نيقية (325 م) الذى تم فيه تأليه يسوع ، فما كان من الكنيسة إلا أن رتبت إغتياله.

 

 

ويمثل عصر التنوير أعلى وأعنف ما وصل إليه الصراع الكنسى آنذاك ، فى مشواره الطويل منذ تحريف المسيحية على يد بولس ، الذى جعل نفسه رسولا، ثم واحدا من القديسين ، وكان أول من ألّه يسوع . وبدأت هذه المعركة بما عُرف باسم "معركة القدامى والعصريين" ، فى القرن السابع عشر المواكبة لأزمة الضمير الأوروبى . فقد بدأ الفلاسفة برفض الحلول اللاهوتية والسلطة التقليدية المتوارثة ، وراحوا يراجعون المفاهيم الأساسية المتعلقة بمصير الإنسان وتنظيم المجتمع ، إيمانا منهم بالتقدم العلمى ومنجزاته. وكانت قاعدة اليقين الديكارتية هى نقطة الإنطلاق التى اعتمد عليها الفلاسفة لرفض أية سلطة سوى سلطة العقل.. وراحوا يُخضعون النصوص الإنجيلية والعقائد والأخلاق المسيحية ومؤسساتها إلى التحليل العلمى النقدى الدقيق. وبدأت عملية مراجعة للنصوص الإنجيلية ، لا من جانب البروتستانت وحدهم وإنما من بين نفس رجال الإكليروس الكاثوليكى ، الذين راحوا يدرسون هذه النصوص ويفسرونها تفسيرا علميا بغية تخليصها من الأخطاء والأساطير. وأكثر ما اهتم به فلاسفة ذلك العصر هو محاربة الظلمات والتعتيم الذى كانت تفرضه الكنيسة وراحوا يفسرون العقائد ، متهمين رجال الكنيسة بخداع الشعوب ، وراحوا يطالبون بحرية العقيدة ـ وحرية العقيدة هنا مقصود بها حرية الإبتعاد عن المسيحية أو الكفر بها والتحول إلى الإلحاد أو اللادين دون التعرض للقمع والإضطهاد.

 

 

وسرعان ما توالت الإدانات البابوية ضد فلاسفة التنوير ، وأهم هذه النصوص : الخطاب الرسولى للبابا كليمانت الثانى عشر (1652ـ1740) المعروف باسم "خلاص المسيحية" ، وهو أول نص عقائدى كبير يعبّر عن الأصولية الكاثوليكية ضد التنوير. كما أدينت كل أعمال التنوير ووُضعت فى "الأندكس" ، أى فى قائمة الكتب التى يحرّم البابا أتباعه من الإطلاع عليها. وظل هذا الإندكس معمولا به إلى أن تم تغيير اسم لجنة محاكم التفتيش عام 1966 إلى "لجنة عقيدة الإيمان" ، وإن كانت ملاحقة الكتب المعارضة أو الكاشفة للكنيسة تتم بصورة أخرى ، وأشهر مثال على ذلك ما حدث مع رواية "شفرة دا فنشى" للكاتب دان براون من ملاحقة أدت إلى رواج لم يتخيله كاتبها !.. 

ومن أهم مؤرخى عصر التنوير الذين هاجموا الكنيسة وكشفوا ما تقوم به من تحريف ، المركيز دارجنس (M. D’Argens) الذى قام بترجمة خطاب الأمبراطور جوليان ضد المسيحيين وكتب له مقدمة والعديد من الهوامش التفسيرية. ومن أهم ما كتبه فيها : "من الواضح أنه حتى عهد الأسقف الجامح أطنازيوس (295ـ373) لم يكن أحد يعترف بأن المسيح هو الله ، وأن عبارة "ابن الله" كانت تعنى قديما الإشارة إلى "إنسان متعلق بشرع الله" ، وذلك مثلما كانت عبارة "ابن بليال" تعنى "إنسان فاسق منحرف ".

ومن بينهم أيضا القس جان ميلييه (1678ـ1733) . ومن أشهر ما كتبه مذكراته المعروفة بعنوان "وصية ميلييه" ، التى إعتذر فيها لله وطلب منه أن يغفر له لأنه أضاع عمره فى خداع الناس بتعليمهم المسيحية ، و"خطاب إلى قساوسة المناطق المجاورة" ، و "ضد القس فينيلون". وكان فينيلون هذا من الدعامات الأساسية المساندة للكنيسة فى القرن السابع عشر. وما أن توفى ميلييه حتى قام الأديب فولتير بتلخيص وصية الأب ميلييه فى 70 صفحة حيث أن حجم الوصية الأصلية 366 صفحة ، وقام بنشرها. فحاربته الكنيسة بوضع هذا التلخيص والكتاب الأصلى له فى قائمة الكتب الممنوعة التى تحرّمها لجنة محاكم التفتيش.

ومن كتّاب عصر التنوير البارون هولباخ (1723ـ1789) وكان من أبرز العلماء والفلاسفة ؛ واللورد هنرى بولنبروك (1678ـ1751) ، ومن أشهر ما كتبه ضد المسيحيين فى العصور الأولى وما قاموا به من تحريف وتزوير ومؤامرات جمعها فى كتاب بعنوان "الفحص المهم"  ؛ واللاهوتى ثيرو (1765) وغيرهم ؛ ولا يمكن إغفال كل من فولتير والقس ريشار سيمون أو القس إرنست رينان .

إذ يعد فولتير (1694ـ1778) من أهم الذين تصدوا للكنيسة فى عصره ، ومن أشهر مؤلفاته فى نقد هذا المجال : "القاموس الفلسفى" ، و"أنجيل العقل" حيث قام بفحص الأناجيل وتفنيدها علميا ، إذ يقول : "أننى لم أجد أى أثر للمسيحية فى تاريخ المسيح : فالأناجيل الأربعة التى بقيت لنا تتعارض فى الكثير من الوقائع ، ومع ذلك فهى تجمع على أن يسوع قد خضع لشرع موسى منذ مولده حتى وفاته " .. ويسخر فولتير من كمّ الأخطاء والمتناقضات الواردة فى الأناجيل طوال عشر صفحات ، ثم يوجز قوله مؤكدا : "أن كتبة الأناجيل يتناقضون حول مدة حياة يسوع ، وحول ما كان يبشر به وحول يوم العشاء الأخير ، ويوم وفاته ، وحول عدد مرات ظهوره بعد وفاته ، وفى كلمة واحدة : أنهم يختلفون حول كل الوقائع. لقد كان هناك تسعة وثمانين إنجيلا كتبها المسيحيون فى القرن الأول والثانى وكانت جميعها تتناقض بل وأكثر من ذلك" (صفحة 115). ولا داعى لكتابة ما أصابه من حرب من جانب الكنيسة فتاريخه معروف.

أما القس ريشار سيمون (1638ـ1712) ، فهو أول من أرسى قواعد وأسس النقد العلمى الدينى ، حتى وإن كان هناك من سبقوه من أمثال هوبس (Hobbes) ، و لا بيرير (La Peyrère) ، أو سبينوزا (Spinoza)الذين تناولوا دراسة مصداقية نصوصالكتاب المقدس بالتحليل العلمى والعقلانى إلا أن ما من واحد منهم قد توصل إلى الأسلوب العلمى المنهجى الشديد الدقة مثلما فعل ريشار سيمون. ومن أهم مؤلفاته "التاريخ النقدى للعهد القديم" (1632) من ثلاثة أجزاء ، تتضمن تحليلا علميا ولغويا للنص ولكل الذين ترجموه أو علّقوا عليه. ثم كتاب "التاريخ النقدى لترجمات العهد الجديد" (1689). ومن أهم ما أثاره فى هذا البحث عمليات التحريف التى تمت بناء على التلاعب فى الترجمات من النصوص اليونانية أو العبرية ، وكمّ المتناقضات الواردة بالأناجيل. ثم تبعه بكتاب "التاريخ النقدى لأهم المعلقين على العهد الجديد" (1693) ، وكتاب "ملاحظات جديدة حول نص وترجمات العهد الجديد" (1795) ، ثم قام بعمل ترجمة للعهد الجديد إعتمادا على الطبعة اللاتينية القديمة ، مزودة بملاحظات متعددة ، من 4 أجزاء. وقد إعتمد فيه على الترجمة التى كان قد قام بها القديس جيروم فى القرن الرابع ، بناء على تكليف من البابا داماز ، الذى طلب منه ضم تلك الأناجيل المتعددة ليخرج منها بالأربعة المعروفة حاليا. وأوضح القديس جيروم فى مقدمة هذه الأناجيل الجديدة ما قام به من تعديل وتبديل فى النصوص حتى تتمشى مع مطلب البابا !

 

 

وتعد أعمال القس إرنست رينان (1823ـ1892) (E. Renan) بمثابة رؤية شاملة لتطلع القرن التاسع عشر الفرنسى ومطالبه فى مجال النقد الدينى . فقد أحدث كتابه "تاريخ أصول المسيحية" (7 أجزاء) هزة فى المجتمع الفرنسى حين نزع صفة القداسة عن الكتاب المقدس وخاصة عن الأناجيل وراح يتحدث عن المسيح على أنه إنسان وليس بإله ! كما كشف عن أن القديس مرقس قد إتجه إلى روما وليس إلى الإسكندرية فى مصر ، وأن الكنائس فى عصورها الأولى كانت تبحث عن توثيق تاريخها ونَسَبها فتلتصق بأحد الحواريين .. وكان القديس مرقس من الذين لم يقم أحد بالإنتساب الى تبشيره ، فتلفعت به كنيسة الإسكندرية. الأمر الذى نراه ثابتا أيضا فى الموسوعة الكاثوليكية تحت موضوع القديس مرقس وفى غيرها من المراجع ..

ولأسباب متعلقة بالعقائد وكيفية إختلاقها ، كانت الكنيسة دائما فى صراع مع العلم والعلماء ، ولم يكن يسمح فى بادئ الأمر إلا بأن يكون العلماء من اللاهوتيين ، أى من الذين يوظفون العلم ويشكلونه وفقا لمبادئ الكنيسة ومتطلباتها، وقد أجبرت بعض العلماء لتقديم تواريخ معينة للكون تتمشى مع ما هو وارد فى الأناجيل وخاصة فى العهد القديم. وقد كتب إسحاق نيوتن أن عمر الكون 3998 سنة قبل الميلاد ، وأقره جوهانس كيپلير.. وحينما كتب بنوا دى ماييه أن الأرض عمرها ملياران من السنين قبل الميلاد أجبرته الكنيسة على التغيير ، وظلت تفرض أن الأرض مسطحة وأنها محور الكون حتى القرن السادس عشر ، وحينما قال جيوردانو برونو (1473ـ1543) (G. Bruno) أن الكون لا نهائى أحرقته الكنيسة حياً فى أحد ميادين روما !

وأتى عصر التنوير ليرفض ذلك الدين الذى امتدت عصور ظلماته القمعية ، ليفتح مشروع الموسوعة العلمية الكبرى ، إلا ان سيطرة الكنيسة ظلت ممتدة باستيلائها على مجال التعليم ، فكل من كان يود ممارسة هذه المهنة كان يتعين عليه أن يكون قساً أولا. وأتت الثورة الفرنسية لتطيح بقيود الكنيسة فى القرن التاسع عشر لتبدأ معركة جديدة بين الكنيسة والعلم متعلقة بالتفسير الدينى وقواعده ..

 

 

وإن خرجنا من هذه النماذج الخاطفة بشئ حول المنظور المسيحى للمعرفة وموقفها من العلم والعلماء فى تلك الفترات الزمانية ، فهو أن الكنيسة منذ نشأتها وخاصة منذ أن تم الإعتراف بالمسيحية كديانة رسمية يمكن أن تتم ممارستها فى الإمبراطورية الرومانية (سنة 311) مثل باقى الديانات الوثنية القائمة ، إعتمدت على الفريات والأكاذيب والتزوير فى صياغة تراثها ، كما إعتمدت على إستخدام كافة الوسائل لإقتلاع الآخر بالقتل والتدمير لترسيخ ما نسجته ، كما تصدت بشتى أنواع العنف للحد من إنتشار العلم ومحاربة العلماء..

مقالات مرتبطة بـ عصر التنوير