عبادة الأصنام إنما هي عبادة للأولياء - 2

محمد أحمد باشميل

عبادة الأصنام إنما هي عبادة للأولياء

واسمع ما قاله الأستاذ عبد الرحمن الوكيل في كتابه (دعوة الحق ص62):

التعبير بمن وبما عن آلهة المشركين وتحقيق ذلك:

وهذا هو سر التعبير أحيانًا (بمن) في موضع والتعبير (بما) في موضع في القصة الواحدة في القرآن، أو سر التعبير بما له دلالة على ما يعقل وبما له دلالة على ما لا يعقل في الموضع الواحد، وضع هذا مكان ذاك في القصة الواحدة.

فإذا عبر بـ(ـما) الدالة على ما لا يعقل فالمقصود بما أقيم بأسماء الأولياء من أصنام وتماثيل (دعوة الحق ص62 للأستاذ عبد الرحمن الوكيل) وكلا التعبيرين لا يختلف أحدهما عن صاحبه إلا بالاعتبار أو كلاهما يعبر عن ذلك (الغير) الذي عبد من دون الله).

فتختص (من) بذاته، وتختص (ما) بالصنم أو القبر الذي أقيم باسمه ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) [الأحقاف:5] ، وفي الآية التي قبل هذه الآية من السورة نفسها وهي الأحقاف ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ) [الأحقاف:4] ، فعبر عن شيء واحد بـ «من» و «ما».

فلا يخدعك عباد القبور عن الحق بإلباسه بالباطل، حين يزعمون أن شرك الجاهلية كان سببه دعاء الأصنام، ولذلك يعبر الله عنها بـ (ما) الدالة على ما لا يعقل، أما نحن فندعوا أولياء.

وأنت قد عرفت من القرآن سر التعبير بـ (من وما) ورأيته يعبر بهما في الموضع الواحد، ويضع إحداهما مكان الأخرى كما بينت لك من قبل ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) [الشعراء:69-77]

قال إبراهيم «هل يسمعونكم» بعد أن قالوا «نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين» لتفهم بأنه يقصد بقوله من أقيمت لهم هذه الأصنام، وإلا لقال لهم هل تسمعكم، ثم ذكر ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ )، وبعدها ذكر ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) مما يشعرك أن إبراهيم يقصد الأصنام ومن أقيمت بأسمائهم الأصنام، وإلا لقال (فإنها) عدو لي ولم يقل (فإنهم) لأن (هم) ضمير العقلاء.

وهكذا يعبر في الآيات التي تتناول قصة واحدة عن معبودي المشركين بما له من الألفاظ الدالة على العقلاء، وبما له دلالة على غير ذلك لما سبق بيانه من أن المشرك يعبد بعبادة الولي الواحد آلهة متعددة، منها: آلهة الصنم أو القبر الذي أقامة باسم الولي، أو الستر فوق عبادته لإلهه الولي.

ومما سبق ذكره من بيان الأسباب التي وصفهم الله من أجلها بأنهم عباد آلهة، ومتخذو شركاء، وعباد أصنام وأوثان وتماثيل – تؤمن أن ذلك كله ناتج عن عبادة الولي وأن الفتنة بالصالحين هي سبب الشرك.

فإذا ما رأيت اختلافًا في التعبير عما يعبده المشركون فذلك لاختلاف الاعتبارات، وإلا فالشيء المعبر عنه واحد، أما الاعتبارات التي اختلفت من أجلها التسمية لهؤلاء المعبودين من دون الله فإليك ما قاله الأستاذ عبد الرحمن الوكيل في كتابه (دعوة الحق) أيضًا:

فمعبودهم يوصف بأنه (ولي) باعتبار موالاتهم له بالدعاء وغيره، وهذا هو الوصف الأصيل، ويوصف بأنه (شريك) باعتبار أنهم أشركوه في العبادة مع الله، وبأنه (إله) باعتبار أنهم ألهوه بكل معاني التأليه، من عبادة وفزع إليه، واستغاثة به، ويوصف بأنه (وثن) أو (صنم) أو (تمثال) باعتبار المُشاهد الملموس، أو باعتبار ما أقيم باسم الولي المعبود، ويوصف بأنه (طاغوت)، باعتبار أنه أضلهم وأضلوا هم به، وبأنه (الشيطان) باعتبار أنه مصدر الإغراء بعبادة هذا المعبود ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا ) [النساء:117] ، وصفها بالإناث وبالشيطان في آية واحدة.

وقال الخليل عليه السلام لأبيه: ( يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ) [مريم:42] ، ويوصف بأنه (ظن) باعتبار ما ظنوه فيه من نفع وضر، وبأنه (هوى) باعتبار أنهم انقادوا لأهوائهم فيه ( وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) [يونس:66] ، ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ) [النجم:23] ، ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ ) [الجاثية:23] .

وتوصف معبوداتهم بأنها (أسماء) لا وجود لمسمياتها، باعتبار الحقيقة حيث سموهم أولياء، والله هو الولي، و (شفعاء) والله هو الذي يملك وحده الشفاعة ( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) [يوسف:40] .

فلا يفتنك المشركون بكثرة الأوصاف فإنها لموصوف واحد هو غير معبود من دون الله، ولا باختلاف التعابير فالحقيقة المعبر عنها واحدة ولا يعتذر اليوم للمشركين معتذر بخرافة أن الجاهلية أشركت بعبادة الأصنام وتسميتها بالآلهة، أما هؤلاء فإنما يدعون أولياء، فقد وضح الحق من القرآن مشرقًا يبدد كل ما يطغى به الباطل من ظلمات.

السابق

مقالات مرتبطة بـ عبادة الأصنام إنما هي عبادة للأولياء - 2

  • عبادة الأصنام إنما هي عبادة للأولياء - 1

    محمد أحمد باشميل

    عبادة الأصنام إنما هي عبادة للأولياء فقلت له: نعم لقد ثبت هذا النهي عن عبادة الأصنام وعن عبادة الأولياء، وهذا

    18/07/2017 810
  • متى بدأت عبادة الأصنام ؟

    محمد أحمد باشميل

    متى بدأت عبادة الأصنام ؟ فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك

    10/07/2017 1107
  • اللات كان رجلا يلت السويق للحجاج

    محمد أحمد باشميل

    اللات كان رجلاً يلت السويق للحجاج : (4) أما اللات فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه : «كان اللات رجلا يلت

    14/07/2017 1693