صور من عبادة السر : 5- صلاة النّوافل في الخلوات

فريق عمل الموقع

 
الصلاة أعظم طاعة للمناجاة، وسبيل أهل التقى لإدراك الدرجات، ولاسيما قيام اللّيل في الخلوات، قال تعالى مثنيا ومادحا عباده الذين يبيتون يراوحون بين جباههم وأرجلهم في الصلاة، يرجون رحمة الله ويخافون عقابه، وقد رقد كلّ رقيب إلاّ الحيّ الرّقيب، يستطيبون مناجاته، ويتلذّذون بالأنس به، إذا خلا كلّ حبّ بِحِبِّهِ،

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[السجدة:16].

 
وقال سبحانه ممجّدا علم العاملين بما عملوا، فباتوا لله قانتين،

﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾

الزمر.

 
(عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

((إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحَاذِّ ذو حظّ من الصّلاة ، أحسن عبادة ربّه وأطاعه في السّرّ، وكان غامضا في النّاس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك، ثمّ نفض بيده، فقال: عجّلت منيّته، قلّت بواكيه، قلّ تراثه)).

 
وكان الفضيل بن عياض يقول: "كان يقال: من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرةِ قلوبهم خلائقُ ثلاثة:الحلم، والأناة، وحظٌّ من قيام الليل).
 
ولقد كانت الأصوات الشجية المذكرة بقيام الليل ترتفع وتنادي:
 
يا رجال اللّيل جِدُّوا 
رُبَّ صَوْتٍ لاَ يُرَدُّ 

ما يقومُ اللَّيل إلاّ 
مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ 
 
يقول محمد الراشد:
و إنها حقاً لمدرسة، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يُذْكُوا شُعْلَة حماستهم، وينشروا النُّور في الأرجاء التي لفّتها ظلمات الجاهلية.
 
و إنها تجربة إقبالٍ يوجزها فيقول:
 
نائحٌ واللّيل ساجٍ سادلُ 
يهجعُ النَّاسُ و دَمْعِي هَاطِلُ 

تصْطَلِي رُوحِي بِحُزنٍ وَأَلَمْ 
وِرْدٌ (يا قومُ) أُنْسِي في الظّلَمْ 

أنَا كالشّمعِ دُمُوعِي غسلي 
في ظلام الليلِ أُذْكِي شُعَلِي 

محفلُ النّاسِ بِنُورِي يُشْرِقُ 
أنشرُ النّورَ ونفسِي أَحْرِقُ 
 
وكان أيوب السختياني يقوم اللّيل كلّه، ويخفي ذلك، فإذا كان عند الصّبح رفع صوته، كأنّه قام تلك السّاعة، والأمر أكثر من أن يحصر.
 
وقال محمد بن القاسم: صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة، لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع، إلا يوم الجمعة، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف، لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، خوفا من الرياء، وكان يدخل بيتا له ويغلق بابه، ولم أدر ما يصنع، حتى سمعت ابنا له صغيرا يحكي بكاءه، فنهته أمه، فقلت لها ما هذا؟ قالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي، فيسمعه الصبي فيحكيه، وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه، واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء، وكان يصل قوما ويكسوهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه، ولا أعلم منذ صحبته وصل أحدا بأقل من مئة درهم، إلا أن لا يمكنه ذلك ".
 
ومن صلاة السِّرِّ تَنَفُّلُ المرء في بيته وعند أهله فعن الأوزاعي عن حسّان بن عطيّة رحمهما الله تعالى قال: "صلاة الرّجل عند أهله من عمل السرِّ" .

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ صور من عبادة السر : 5- صلاة النّوافل في الخلوات