صور من عبادة السر: 12- الجهاد

فريق عمل الموقع

    
 
لقد أبلي الأولون من السّابقين مهاجرين وأنصارا بلاء حسنا في سبيل الله تعالى، وكان جهادهم في سريّة الدعوة إلى الله تعالى جهادا عظيما حتى استوت على سوقها، فباعوا في سبيلها الغالي والرخيص، وتركوا أموالهم وديارهم من أجل كلمة إعلاء الله تعالى، وقاطعوا القريب، وحقد عليهم البعيد والغريب، وكان من طلائع جهادهم هجرتهم السّريّة حبّا في الله تعالى وطلبا لمرضاته، فقطعوا الفيافي والقفار، وعبروا الأنهار والبحار، وقلوبهم مملوءة رضا بما يصنعون، ولمّا انتصروا في بطولاتهم وفُتِحَت عليهمُ الدُّنيا،لم تجرفهم الغنائم والأعراض الدّنيوية بل ثبتوا على ماكانوا عليه فتخرّج على أيديهم تلاميذ، يَكْثُرُونَ عند الفزَعِ ويَقِّلُونَ عند الطمع،وممّا حفظ لنا التاريخ من حبّهم للجهاد ورجائهم في كتم أ عمالهم عن الغير فمن تلك المواقف المبهرة:


 
أنّ مَسْلَمَةَ كان يحاصر ذات يوماً حصناً وما أكثر الحصون التي حاصرها، وما أكثر الحصون التي فتحها باسم الإسلام والمسلمين.. واستعصى فتح الحصن على الجنود فوقف مسلمة يخطب بينهم ويقول: أمّا فيكم من أحد يَقْدُمُ فيدخل من ذلك النقب في الحصن؟وبعد قليل تقدّم جندي ملثّم، وألقى بنفسه على الحصن واحتمل ما احتمل من أخطار وآلام ودخل نَقَباً كان في الحصن، فكان سبباً في فتح المسلمين له، وعقب ذلك نادى مسلمة جنوده قائلاً: أين صاحب النّقب؟ فلم يجبه أحد، فقال مسلمة: عزمت على صاحب النّقب أن يأتي للقائي وقد أمرت الآذان بإدخاله عليَّ ساعة مجيئه.
 
وبعد حين أقبل نحو الآذِانِ شخصٌ ملثّمٌ، وقال له: استأذن لي على الأمير، فقال: أأنت صاحب النّقب؟ فقال: أنا أدلّكم عليه، فدخل فقال للقائد: إنّ صاحب النّقب يشترط عليك أموراً ثلاثة:
1- ألا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة؛
2- وألا تأمروا له بشيء جزاء ما صنع؛
3- وألا تسألوه من هو؟.
 
فقال مسلمة: له ذلك، أين هو؟ فأجاب الجندي في تواضع واستحياء، أنا صاحب النّقب أيّها الأمير ثم سارع بالخروج، فكان مسلمة بعد ذلك لا يصلّي صلاة إلاّ قال في دعائها:" اللهمّ اجعلني مع صاحب النّقب يوم القيامة".



 
بل إنّ أمانتهم وإخلاصهم لله تعالى الذي يراقبونه سرّا وعلانية، حملهم أن يؤدوا الأموال العظيمة سرّا، فقد أورد ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه: أنّ المسلمين لما هبطوا المدائن وجمعوا الاقباض – الغنائم - أقبل رجل بِحُقٍّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال: والّذينَ معه: ما رأينا مثل هذا قطّ ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه، فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أمَا والله لولا الله ما أتيتُكم به، فعرفوا أنّ للرّجل شأنا، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرّظوني، ولكنّي أحمد الله وأرضى بثوابه.
 
فأَتْبَعُوهُ رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه؟، فإذا هو عامر بن عبد قيس القيسي الحضرمي أحد عبّاد التّابعين وزهادهم، وهو أوّل من عرف منهم بالنّسك بالبصرة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم..



 
وهذا الفارس المغوار، والمحدِّث المِعْطَار،والعابد المِكْثارُ، عبد الله بن المبارك، العبد المبارك، الذي ما ترك سبيلا للخير إلا فعله، ولا طريقا للبر إلا سلكه، اجتمع فيه ما لم يجتمع في كثير من الرجال، يقول عنه قال عبدة بن سليمان المروزي: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدوّ، فلما التقى الصّفّان خرج رجل من العدوّ، فدعا إلى البِرَاز ، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة، فطعنه فقتله، فازدحم إليه النّاس، فنظرت فإذا هو عبدالله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمّه، فأخذت بطرف كمّه فمددته فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنّع علينا !".

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ صور من عبادة السر: 12- الجهاد

  • كلمة ثقيلة على النفوس

    فريق عمل الموقع

    ( إن كثير من العلماء والمشايخ في هذا العصر حُرموا من نعمة الجهاد والرباط والإعداد والهجرة مع أن نفعها متعدي غير

    30/08/2012 1868
  • ما هي أصعب عبادة في هذا العصر؟

    فريق عمل الموقع

    أصعب عبادة في هذا العصر هي الجهاد في سبيل الله، لماذا؟ لأن العالم كله سواء كان مؤمنا أو كافرا، قريبا أو بعيدا،

    30/08/2012 621
  • ما هي أصعب عبادة في هذا العصر؟

    فريق عمل الموقع

      أصعب عبادة في هذا العصر هي الجهاد في سبيل الله، لماذا؟ لأن العالم كله سواء كان مؤمنا أو كافرا، قريبا

    15/08/2012 2832