صور من عبادة السر : 10- خدمة الضعفاء

فريق عمل الموقع

 
لم يكتف الصّالحون الأخفياء بصلاتهم وصومهم وعبادتهم القاصرة على أنفسهم، بل تعدَّى نفعهم إلى غيرهم في خفاء وسرية تامة، فيسهرون إذا نام الناس، ويؤثرون إذا ضنّ الآخرون، كلّ ذلك ابتغاء أن يرفع الله درجاتهم، ويقضي حاجاتهم،ويكشف كرباتهم

﴿ يوم لاينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم ﴾

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرعى عجائز قد كبرن ولم يجدن من يخدمهنّ، فيراه عمر ويتبعه في سرية لينظر ما عساه أن يفعل ؟ وفي الصباح يذهب إلى تلك العجوز ليسألها عن هذا الرّجل الذي يأتيها فتخبره بأنه يتعاهد أحوالها منذ زمن، فيقول عمر رضي الله عنه: ويحك يا عمر، تريد عورة الصديق، ثكلتك أمك.
 
ويقع لعمر أيضا ما قد فعله بالصديق فقد خرج ليلة في جنح الليل، حتى لا يراه أحد، ودخل بيتا، ثم دخل بيتا آخر، ورآه رجل، ولم يكن عمر على بأن هناك رجل رآه.
 
نعم، رآه طلحة رضي الله عنه فظنّ أنّ في الأمر شيئا، وأوجس طلحة في نفسه، لماذا دخل عمر لهذا البيت؟ ولماذا وحده؟ ولماذا في اللّيل؟ ولماذا يتسلّل؟
 
ولماذا لا يريد أن يراه أحد؟ ارتاب طلحة في الأمر، والأمر عند طلحة يدع إلى الريبة.
 
ولمّا كان الصباح ذهب طلحة فدخل ذلك البيت فلم يجد إلا عجوزا عمياء مقعدة، فسألها:ما بال هذا الرجل يأتيك؟ وكانت لا تعرف أنّ الرّجل الذي يأتيها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه قالت العجوز العمياء المقعدة: إنّه يتعاهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني، ويخرج الأذى عن بيتي، أي يكنس بيتها ويقوم بحالها، ويرعاها عمر رضي الله عنه.
 
ولن نعجب أن رئيس الدولة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يفعل ذلك، فكم من المرات فعل ذلك عمر بن الخطاب وفعله الصدّيق قبله رضي الله عنهما، فهذه المواقف ليست عجبا في حياة تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم.
 
ولكن نعجب من شدّة إخفاء الخليفتين لهذا العمل حتى لا يراهما أحد، وفي الليل، وفي سواد الليل، ويمشي لواذا خشية أن يراه أحد فيفسد عليه عمله الذي هو سر بينه وبين الله.
 
وهذا عمر بن ثابت يقول قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه، جعلوا ينظرون إلى آثار السّواد في ظهره فقالوا ما هذا ؟ فقالوا كان يحمل جرّب الدّقيق (أكياس الدقيق) ليلا على ظهره، يعطيه فقراء المدينة.
 
وذكر ابن عائشة قال: قال أبي:" سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السّر حتى مات عليّ بن الحسين " رضي الله عنه وأرضاه.
 

مقالات مرتبطة بـ صور من عبادة السر : 10- خدمة الضعفاء