شهادة الله لنبيه في القرآن

الشيخ راغب السرجاني

ولننظر إلى الآيات القرآنية المختلفة، التي تحدَّثَتْ في أكثر من صورة عن شهادة الله جَلَّ وعلا لنبيِّه بالرسالة، فقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]. وننظر إلى قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79]. ويقول الطبري مُعَلِّقًا على هذه الآية: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا}، إنما جَعَلْنَاك -يا محمد- رسولاً بيننا وبين الخلق، تُبَلِّغُهم ما أرسلناك به مِن رسالة إليهم، وليس عليك غيرُ البلاغ وأداءُ الرسالة إلى مَنْ أُرْسِلَتْ إليه، فإن قَبِلُوا ما أُرْسِلَتْ به فلأنفسهم، وإن رَدُّوا فعليها. {وَكَفَى بِاللَّهِ} عليك وعليهم، {شَهِيدًا} يقول: حَسْبُكَ اللهُ -تعالى ذِكْرُه- شاهدًا عليكَ في بلاغِكَ ما أُمِرْتَ ببلاغِه من رسالته ووحيه، وعلى مَنْ أُرْسِلْتَ إليه في قَبُولهم منك ما أُرْسِلْتَ به إليهم، فإنه لا يخفَى عليه أمرُك وأمرُهم، وهو مُجَازيك ببلاغك ما وَعَدَك، ومجازيهم ما عَمِلُوا من خيرٍ وشرٍّ، جزاءَ المُحْسِن بإحسانِه، والمُسِيء بإساءته"[1].


ويقول الحقُّ تبارك وتعالى في آيات أخرى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 164-166].


ويُعَلِّقُ الأستاذ سيد قطب على هذه الآيات قائلاً: "فإذا أنكر أهل الكتاب هذه الرسالة الأخيرة، وهي جارية على سُنَّة الله في إرسال الرسل لعباده {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]؛ فأهل الكتاب يعترفون بالرسل قبل محمد ؛ اليهود يعترفون بمن قبل عيسى ، والنصارى يعترفون بهم وبعيسى... فإذا أنكروا رسالتَكَ -يا محمد- فلا عليك منهم، فليُنْكِروا {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166] وفي هذه الشهادة من الله، ثم من ملائكته ومنهم مَنْ حَمَلَهَا إلى رسوله، إسقاطٌ لكل ما يقوله أهل الكتاب، فمن هُمْ والله يشهد؟! والملائكة تشهد؟! وشهادة الله وحدها فيها الكفاية! وفي هذه الشهادة تسرية عن الرسول ، وما يَلْقَاهُ من كيد اليهود وعنتهم"[2].


وفي تحدٍّ عجيب يقول الحقُّ تبارك وتعالى للذين لا يؤمنون برسالة محمد : {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد: 43]. يقول ابن عاشور تعليقًا على شهادة ربِّ العالمين على صدق نبيِّه محمد : "إن الله لا يُصَدِّقَ مَنْ كذب عليه، فلا يَتِمُّ له أَمْرٌ، وهو معنى قول أئمة أصول الدِّينِ: إن دلالة المعجزة على الصدق أنَّ تغيير الله العادةَ لأجْلِ تحدِّي الرسول ، قائمٌ مقام قوله: صَدَق عبدي فيما أخبر به عني"[3].


وآيات القرآن التي تشهد بصدق النبي محمد كثيرة، ولا نكون مبالغين إن قُلْنَا: إن كل القرآن يشهد بذلك تصريحًا أو تضمينًا. وما أجمل أن نختم هذا المقال بقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ[الأنعام: 19]! أيُّ شاهدٍ في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة؟ أيُّ شاهد تعلو شهادته كل شهادة؟ أيُّ شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة؟... وكما يُؤْمَر رسول الله بالسؤال، فهو يُؤْمَر كذلك بالجواب؛ ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطَبِينَ أنفسهم، ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع.


{قُلِ اللَّهُ} نعم! فالله I هو أكبر شهادة، هو الذي يَقُصُّ الحقَّ، وهو خير الفاصلين، هو الذي لا شهادة بعد شهادته، ولا قول بعد قوله؛ فإذا قال فقد انتهى القول، وقد قُضِيَ الأمر[4].

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ شهادة الله لنبيه في القرآن

  • شهادة مفكر

    فريق عمل الموقع

    شهادة مفكر : منذ زمن قريب درس القرآن الكريم أحد المفكرين الكبار بالكنيسة الكاثوليكية ... اسمه هانز Hans...

    30/09/2010 1480
  • ادع بما في الكتاب و السنة

    فريق عمل الموقع

    قال القرطبي رحمه الله : " فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء، ويدع ما سواه ، ولا يقول

    14/09/2018 337
  • شهادة عقلانية

    فريق عمل الموقع

    شهادة عقلانية   بعد دراسته للقرآن ذكر هانز و هو  أحد قادة  المفكرين الكاثوليك مؤخراً

    30/09/2010 3421