شرح تعريف الإيمان

الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي

أما معنى هذه العبارة -كما فسرها السلف ومنهم الأوزاعي والشافعي وسفيان بن عيينه وغيرهم- فهو: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح.

 

فالقول يطلق على أمرين: قول القلب، وقول اللسان.

 

والعمل يطلق على أمرين: عمل القلب، وعمل الجوارح.

 

هذه الأربعة يتكون منها الإيمان، فهو يتكون من: قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح وإذا عرفنا هذه الأربعة بالتفصيل عرفنا حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة ، وعرفنا بعد ذلك لماذا يحكمون على مرتكب الكبيرة بأنه ناقص الإيمان، فلا يخرجونه من الملة كما تقوله الخوارج ، ولا يقولون هو كامل الإيمان كما تقوله المرجئة .

 

فأما قول القلب: فهو الإقرار والاعتقاد الجازم بما جاء في حديث جبريل عليه السلام، وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، أي: انقياد القلب وإذعانه وتصديقه الجازم، بالإيمان المجمل وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، الذي هو: الإيمان بالغيب. وهي الصفة الأولى التي ذكرها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من صفات المؤمنين في أول سورة مدنية، وهي سورة البقرة، فقول القلب: هو الإقرار والاعتقاد والتصديق الجازم بما ورد في حديث جبريل.

 

وأما قول اللسان: فهو إظهار هذا الإيمان وقوله وتلفظه بشهادة أن لا إله إلا الله، أو ما يقوم مقامها في حال البدء، كأن يقول الرجل: آمنت أو أسلمت أو دخلت في دين الإسلام، أو شهدت بأن الله حق، إلى آخر ذلك، ثم يلتزم بسائر العبادات والشرائع، ومنها: وهو أولها وأعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذا هو قول اللسان.

 

فتعبير اللسان عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هو تعبير عن الإيمان القلبي، الذي هو الإقرار بحقيقة ألوهية الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر.

 

وأما اللفظة الأخرى من تعريف الإيمان وهي العمل، فتشمل عمل القلب وعمل الجوارح.

 

فأما عمل القلب فأمور كثيرة ذكرها الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، وفي حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن عمل القلب:

 

المحبة: محبة الله ورسوله، ومحبة هذا الدين.

 

ومن عمل القلب: الاستسلام والرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً.

 

ومن عمل القلب: الصدق، فإن المنافقين يقولون: نشهد إنك لرسول الله، ولكن لما شهد الله أنهم كاذبون في ذلك، لم ينفعهم هذا الإيمان ولا هذه الشهادة.

 

ومن عمل القلب: الإنابة، والإخبات، والخوف، والرجاء، والتوكل، والصبر، كل هذه الأعمال القلبية الواجبة شرعاً كوجوب الفرائض، بل هي الأصل لوجوب الفرائض فإن من لا توكل له ولا صبر ولا يقين ولا إخلاص ولا صدق؛ لا يستطيع أن يعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأن يقوم بهذه الواجبات وهذه التعبدات.

 

فعمل القلب -إذاً- يشمل كل ما جاء في الكتاب والسنة من الواجبات الإيمانية القلبية، التي لا بد ولا محالة أن يظهر أثرها على الجوارح، وإلا فإنه لا وجود لها إطلاقاً، لكن هي محلها القلب، كالتوكل فإن محله القلب -كما تعلمون- لكن لا بد أن يظهر ذلك على الجوارح، فإن عدم التوكل كأن يظهر المرء الجزع أو الهلع أو القنوط، فإن ذلك يظهر على جوارح الإنسان وعلى كلامه، أما المتوكل الصابر الموقن المخلص، فإن ذلك يظهر -ولا محالة- على جوارحه.

 

ومن أعظم ذلك الحياء، ولذلك أفرد في حديث شعب الإيمان الذي يقول فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الإيمان بضع وسبعون -أو وستون- شعبة، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان   } فهذه الشعبة لأهميتها: أفردت، ولأنها خيرٌ كلها كما في الحديث الصحيح: {الحياء كله خير   }.

 

ولا يمكن أن نحكم أو نعرف أو نقول: إن الإنسان لديه حياء -وهو عمل قلبي- إلا أن يظهر ذلك على جوارحه، فإن مشية الإنسان الحيي غير مشية الإنسان الذي لا يستحي، وكلام الإنسان صاحب الحياء غير كلام الآخر، وكذلك صلاته وعبادته، وفعله لما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن الحيي يتورع عن ارتكاب المحرمات، ومن تجرأ على المحرمات وعلى المنكرات جزمنا وعلمنا بأنه فاقد للحياء كله أو بعضه، فهذه هي أعمال القلب، فعمل القلب -إذاً- هو هذه الأمور الباطنة من الإيمان.

 

وأما عمل الجوارح فهو: جميع التعبدات التي فرضها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على الجوارح، كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ شرح تعريف الإيمان