ذكر الموت

الشيخ عبد الرحيم الطحان

أولها: أن الذي يكثر من ذكر الموت يقلع عن الذنوب، ويتوب إلى علام الغيوب، ولا شك في هذا.

والله لو استحضرنا الموت لما عصينا ربنا، لكننا نعصيه لغفلتنا عن ذكره، فإذا استحضرت يا أخي الموت فلن تعصي الله.

كان مرةً رجل من العباد الصالحين في زمن التابعين مع زوجه في مكة المكرمة في بلد الله الحرام، ويخبر هو عن زوجه يقول: كانت أجمل نساء الدنيا، فقالت له مرةً هذه المرأة لتظهر له جمالها ومكانتها، قالت: أيها الزوج الصالح أترى أن أحداً يرى وجهي ولا يفتتن؟ قال: نعم، يوجد من يرى وجهك ولا يفتتن.

قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير العابد الصالح الذي كان يحضر وعظه ودعاءه عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهو من أئمة التابعين.

قالت: سبحان الله! هذا إذا رأى وجهي لا يفتتن، قال: وجهك ووجه البقرة عنده سواء، وإن شئت جربي.

قالت: أتأذن لي؟ قال: أذنت، فذهبت وجلست معه في مجلس الذكر والعلم في المسجد الحرام حول الكعبة المشرفة، فلما انفض المجلس قالت: لي إليك حاجة أريد أن أسألك، قال: وماذا تريدين يا أمة الله؟ قالت: وراء ستار يعني لا يسمعنا أحد، فأخذته على قراب وكشفت عن وجهها، وقالت: أريد أن تقضي حاجتي، فصرخ رضي الله عنه وقال: يا أمة الله! أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد جاءك ملك الموت ليقبض روحك، قالت: اللهم لا.

أعوذ بالله، بعد الزنا تقبض الروح؟ من يريد هذا؟ لو قلت لإنسان يزني فيدخل عليه عشرة من رجال قومه من الصالحين ويرونه على هذه الحالة، لقال: ليت الأرض بلعتني، فكيف لو قلت له بعد الزنا سيقبض ملك الموت روحك، أو أنت في هذه الحالة، والإنسان يبعث على ما مات عليه، وكم من إنسانٍ يموت في عهرٍ وسكر، فيبعث يوم القيامة بتلك الصورة، نسأل الله حسن الخاتمة.

قال: أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد جاءك ملك الموت ليقبض روحك، قالت: اللهم لا، قال: أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد وضعت في قبرك، قالت: اللهم لا، قال: أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد بعثت من قبرك ووزنت فنفذت الموازين ونفرت الدواوين، ووقف العباد أمام رب العالمين، قالت: اللهم لا، قال: أيسرك أني قضيت حاجتك وانصرف الناس إما إلى نعيمٍ وإما إلى جحيم، قالت: اللهم لا، قال: اذهبي يا أمة الله عني، فذهبت تبكي، فلما دخلت إلى بيتها لبست أحسن ثيابها، ولزمت محرابها وبدأت تصلي، فجاء الزوج يكلمها فترد عليه لكن مع انشغالها بأمور الآخرة، ما بقي التزين والجمال، قال: ما بك؟ قالت: أنت بطال وأنا بطالة، الرجل هو عبيد بن عمير ، فكان هذا الزوج يقول: ما لي ولـعبيد بن عمير أفسد عليّ عرضي، كانت زوجي كل ليلةٍ عروسة فسارت راهبة.

نعم هذا حال من يستحضر الموت، أيسرك يا عبد الله أنك تعصي وتموت؟ كل واحدٍ يقول: لا، أعوذ بالله.

إذاً: ما عصيت إلا لغفلتك عن الموت، فإذا استحضرت الموت تقلع عن الذنوب، وتتوب إلى علام الغيوب. وقد كان أئمتنا رضوان الله عليهم يعظون بلحظهم كما يعظون بلفظهم، ولا خير فيمن لم ينفعك لحظه، وإذا لم ينفعك لحظ الإنسان فلن ينفعك لفظه كما قال أئمتنا، وقد كان سلفنا دواء يتداوى به، فصرنا داءً لا دواء له، فنسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يتوب علينا، وأن يعفو عنا، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين. إذاً: استحضار الموت يحول بينك وبين الذنوب، ويحثك على التوبة، عندما تستحضر الموت تقوم بالحقوق الواجبة وتترك المخالفات، ما عصى من عصى إلا لغفلته عن الموت، ولذلك كان كثيرٌ من سلفنا يقولون: استحضر الموت وتذكره قبل أن تتمناه فلا تحصله.

نسأل الله ألا يجعلنا ممن يتمنون الموت، وأن يجعلنا ممن إذا بعثوا فرحوا لأنهم لا يموتون، أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات:58-60]. من الذي يتمنى الموت؟ أهل النار، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، يميتنا يريحنا، قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:77-80]. والآيات في أولها: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:74-77]، ولذلك الكافر يوم القيامة يأتيه الموت من كل مكان، أي: أسباب الموت تأتيه، والعذاب الذي ينزل به ينبغي أن يفنيه، وما هو بميت، يتمنى أن يموت.

ماذا يقول الكافر؟ كما أخبرنا الله عن هذا في سورة النبأ: إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، وقوله: (يا ليتني كنت تراباً)، يحتمل أمرين كل منهما حق منقولٌ عن أئمتنا الكرام: (( يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ))[النبأ:40]، أي: لم أخلق بشراً، وبقيت تراباً على أصل الخلقة.

(( يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ))[النبأ:40]، أي: بهيمةً وحماراً، لم؟ لأنه يرى الحمر يوم القيامة والبهائم صارت تراباً؛ لأن الله يجمع الخلائق بأسرها بقضها وقضيضها، مكلفها وغير مكلفها، ويبلغ من عدل الله يوم القيامة أن يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، وبعد القصاص يقول الله لغير المكلفين من البهائم والحيوانات: كونوا تراباً، فالكافر عندما يرى أن الحمار صار تراباً يقول: (يا ليتني كنت حماراً). حقيقةً إذا استحضر الإنسان الموت قام بالحقوق الواجبة عليه؛ لذلك ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما حق امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده)، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما بت ليلةً إلا ووصيتي عندي بعد سماع هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، أي: يجب عليك إذا كان عندك شيءٌ توصي به مما لك أو عليك من الحقوق، يجب عليك ألا يمر عليك ليلتان إلا ووصيتك مكتوبة، يعني: يرخص لك أن تغفل الليلة إلى الليلة الثانية، أما ليال تمر عليك وليس عندك وصية وتقول: لعلي أكتبها في شهر ربيعٍ الأول، وجاء ربيعٌ الأول فقلت: في شهر ربيعٍ الثاني.

فهذا لا يرخص لك، وهذا من غفلتك وبلادتك وعدم استحضارك للموت.

مقالات مرتبطة بـ ذكر الموت