خلل في الفطرة!

خلل في الفطرة!

الشيخ / فريد الأنصاري


فإذا جمعت ذلك إلى ما أسلفنا من مقدمات منهجية، وجدت أن الخلل اليوم قد أصاب فِطْرَةَ الإنسان، إصابات تتفاوت على حسب موقع ذلك الإنسان - قربا وبعدا، وقبولا ورفضا - من مشرب القرآن. إلا أن الإصابة في هذا العصر – رغم تفاوتها - عامة شاملة، قد مست أغلب تصورات الإنسان، وعمران الإنسان، بمن في ذلك إنسان هذا الصف الإسلامي الراكض في سباق الحركات والتنظيمات الإسلامية المعاصرة! فاختلال المفاهيم الفطرية واضطرابها، أنتج فتنة عامة أشبه ما تكون – في عمومها وشمولها - بالفتن التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيانه الرهيب لما يقع بين يدي الساعة، فسمَّى من بين ما سمَّى:

(فِتْنَةَ الدُّهَيْمَاءِ لاَ تَدَعُ أحداً من هذه الأمة إلاَّ لطمته لطمة! فإذا قيل : انقضت تَمَادَتْ!)

(1)

(ِ القَطْرِ) المذكورة فيما رواه أُسَامَةُ بن زيد رضي الله عنه:

(أَنَّ النّبِي – صلى الله عليه وسلم - أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ(2)(. ثُمّ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَىَ؟ إِنّي لأَرَىَ مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ، كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ»!)

(3)

ألاَ وإن حال الفطرة الإنسانية اليوم لكذلك! نعم، وإليك البيان!

ولكن، لنشرع أولا في مقاربة هذا المفهوم: (الفِطْرَة)، بعد مفهوم "الإسلام" ومفهوم "الدين". فهي سلسلة متعاضدة، بعضها من بعض.

ولنبدأ الدعوى بالقول على سبيل التعريف: إذا تقرر أن الإسلام دين، فلك أن تقول: إن الدين فِطْرَةٌ! بل لك أن تقول: إن الدين هو الفِطْرَةُ!

وهنا نحسب أننا نقترب أكثر وأكثر من تشخيص الخلل، عسى أن نتمكن - بإذن الله - من وصف منهاج العمل.

ولنعد سؤال البَدَهِيَّةِ الثالثة: ما الفطرة؟

الفِطْرَةُ – كما ستتبين بأدلتها – هي:


 ذلك السر الكامن في قلب الروح، إنها الجوهر المكنون للخلق الإنساني، والسر المصون للوجود البشري، فهي أم اللطائف، ومرجع الأسرار في المعنى الوجودي لحقيقة "الإنسان". بكمالها يكمل مفهوم الإنسان، وبنقصها ينقص معناه، وبانخرامها الكلي يخرج عن طبعه وحده إلى دَرَكِ المعنى البَهَمِيِّ لجنس الحيوان!

فأي مس لها وأي خدش يؤدي حتما إلى اضطراب – على قدر ذلك المس وذلك الخدش - في المعنى الوجودي للإنسان، وإلى تخبط نفساني واجتماعي؛ بما يفيض منها على وجوده الروحاني والجسماني من معاني الحياة! ذلك أنَّ لِجُرُوحِ الفطرة درجاتٍ، تماما كما لجروح الجسد، فخدش الجلد ليس كشق اللحم، ولا هذا ككسر العظم، ولا هو كبقر البطن أو طعن الصدر! فعلى قدر التغيير لطبيعتها يكون حجم الفساد في الأرض! إذ هي من أخص خصائص الصنع الإلهي، والتكوين الرباني للخَلْق البشري.

ولذلك كانت الفِطْرَةُ – بما هي "اسم هيأة" كما يقول النحاة - هي الصورة النفسانية الأولى التي خلق الله عليها الإنسان، بما سوَّاها عليه من توازن وكمال. أي قبل تدخل اليد البشرية العابثة فيها بالخرم والخدش.

ومن هنا كان تدخل الإنسان فيها بالتغيير والتبديل مغامرة خاسرة قطعا؛ لأنه تدخل فيما لا علم له به من أمر خلقه وماهية وجوده! ولذلك كان ممنوعا من مد يده الطائشة إلى صندوقها قصد محاولة العبث بسرها! إذ فساد شيء من حقيقتها لا يمكن تلافيه بأي إصلاح جهول من عنده، أو أي استدراك بليد من علمه! بل لا بد فيه من تدخل ثان لخالقها العظيم، الذي لا تعجزه الإعادة كما لم يعجزه البدء!

( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)

(يس:79)

. فهو وحده - سبحانه - العليم بأسرارها، الخبير بطبيعة تركيبها.

(ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟)

(الملك: 14).

ذلك هو مقتضى البيان النبوي العميق

من قوله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟)

([4])

وفي رواية مسلم زيادة مهمة، نصها:

(كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا!)

فتدبر! ما أعجبَ هذا الكلام النبوي العميق!

فلا يكون التدخل في هذا المعنى اللطيف الممنوع إذن، إلا هوى وضلالاً! ولذلك جعل الله الدين أساس الصيانة لهذا السر العجيب في معنى الوجود الإنساني. وهو مقتضَى هذا النص القرآني العظيم:

((بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن اَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ. وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.))

(الروم:29-31).

ففطرة الله التي فطر الناس عليها، هي صورة الروح المؤمنة، المجبولة على صفاء الإخلاص لله، بما هو رب العالمين، الخالق وحده لكل شيء، المستحق وحده للعبادة من دون كل شيء. من هنا يبدأ تصور معنى الفطرة فيتفرع بعد ذلك إلى كل أعمال الدين، سواء في ذلك ما كان من الروحانيات أو من الجسمانيات. لأن الدين هو المؤهل وحده على تحديد معنى الفطرة، وهو المؤهل وحده على صيانتها ورعايتها. خاصة وأن الله - جل علاه - جعل الروح بحكمته الابتلائية مغمورة بالجسد، أو الجسدَ مغمورا بها، على سبيل التداخل والامتزاج الدنيوي، لتحقيق حكمة الابتلاء. فكانت فطرة النفس إذن بذلك مهددة بالضياع في غمرة نوازع الجسد الحيوانية، وفي وَحَلِ رغائبه الطينية؛ إن هي لم تُضبط بالتهذيب والتشذيب، لتبقى على أصل خلقتها، بما هي فطرة نفسانية أولى، وهيأة روحانية سابقة، مجبولة على تسوية تامة وتوازن حكيم.

وهذا يحيل على ذلك المفهوم القرآني العجيب، المؤسِّس لأصل الإيمان في الخلق البشري ابتداءً، بما هو سر من أسرار الْمُلْكِ والملكوت، لكنه مهدد بالضياع في متاهات الغفلة عن صيانة العهد الأول، وميثاقه المؤسَّس على الفطرة الأولى.

وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا! أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ!)

(الأعراف: 172- 174).

فالصيانة لهذا المعنى، تهذيبا وتشذيبا، هو بالضبط ما تقوم به أحكام التكليف التي جاءت بها الشريعة. ولا شيء من الدين يخرج عن هذا المعنى. ولذلك فإنك ترى كيف يمتد معنى الفطرة في الإسلام، من المنطلق الأول للدين، في بيان هيأة المؤمن النفسانية الباطنة، ابتداءً من حقيقة التوحيد بما هو إخلاص العبادة لله وحده، وانتهاءً ببيان هيأة المؤمن الجسمانية، مما يتعلق بخصال الفطرة الظاهرة في تجلياتها الجمالية.

فالمعنى الأول – الهيأة الإيمانية - هو الأصل، وهو مرتبط بعالم الغيب، ولذلك فهو صندوق السر، حيث يكمن المعنى الوجودي للإنسان، والمعنى الثاني – الهيأة الجسمانية - إنما هو الفروع المتجلية منه على عالم الشهادة.

فالنصوص الشرعية المؤسسة للمعنى الأول والمبينة له، يتقدمها هذا النص القرآني المذكور، بعباراته الصريحة الواضحة في بناء المعنى الإيماني للفطرة، بما هي إخلاص لله الواحد القهار، ونفي لكل ضلالات الأهواء والأغيار. وعليه تجري كثير من البيانات النبوية الصحيحة، من مثل حديث الفطرة المذكور في شمول كليتها على كل مولود بشري. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ذلك من النصوص، التي تؤصل لهذا المعنى التوحيدي وتفصله، منها قوله للمؤذن وقد سمعه يرفع الأذان بالتكبير في الصحراء: (على الفطرة!)(5)

ومنها قوله عليه الصلاة والسلام للبراء بن عازب رضي الله عنه: (إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ. اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ". فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ! وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ!)

([6]).

وغير ذلك من النصوص كثير.. فكل هذه المعاني للفطرة ترجع إلى أصل واحد هو مدار التوحيد والإخلاص، الذي هو الصورة الجبلية الأولى للنفس الإنسانية، وهيأتها الروحانية التي كانت عليها يوم سَوَّاهَا بارئُها جل علاه.

وأما المعنى الثاني، وهو امتداد تجليات الفطرة إلى المظاهر الجمالية الجسمانية، فمن أشهر النصوص الواردة في ذلك

قوله صلى الله عليه وسلم: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ.)

([7])

وهناك ارتباط وثيق بين المعنيين؛ لكون الثاني امتدادا للأول – من جهة - وتجل من تجلياته؛ ولأنه – من جهة ثانية - علامة سيميائية على سلامة الباطن، بما هو تهذيب وتشذيب، فهو دائر على معاني القص والنتف والتقليم، وما شابهها من معاني الصيانة التشريعية للفطرة الإنسانية. وتلك كلها تجليات لما يجب أن يقع في عالم النفس أولاً، من قص ونتف وتقليم للنوازع الطينية، والرغائب الشهوانية، التي تزيغ بالمؤمن عن هيأة الصورة النفسانية الأولى: الفطرة الإيمانية، بما يجعلها تنحرف عن حقيقة التوحيد والإخلاص، إلى ضلالات الأهواء المعبودة من دون الله!

فالفطرة في الإسلام إذن معنى واحد منسجم. راجع إلى الإيمان الخالص، والدين الخالص، ثم إلى ما انبنى على ذلك من حقيقة الخلق الإنساني، تسويةً وتقديراً. بدءاً بالحقائق الإيمانية وسائر التصورات المفهومية لمعاني الخير والشر، والحق والباطل، وانتهاءً بالمواقف السلوكية الاجتماعية، بما تتضمنه من سلامة الأذواق، وصلاح العادات، وسائر ضروب التصرفات البشرية في العمران والحياة.

لكن ذلك جميعا قائم على المعنى الأول، أعني الصورة النفسانية والهيأة الروحانية للإنسان، بما وصفنا وأصلنا. فلا يسلم شيء من الفروع في مجال التجليات العمرانية والاجتماعية والجسمانية إلا به.

والناظر في مأساة الإنسان المعاصر اليوم يدرك أن الفساد الحاصل في الاجتماع البشري فساد عميق جدا، بمعنى أنه مس توازن الفطرة، وخرم صورتها الأولى، وخدش أخص خصائصها الباطنة؛ فنتج عنه اضطراب كبير، وفوضى عارمة في كل مناحي العمران البشري! فشاهت الفهوم والتصورات، وشاهت الأذواق والتصرفات! وشاهت الحياة البشرية أجمعها! إلا ما شاء الله.

فكل ضروب الانحراف البشري المعاصر، وكل صور التمرد على الله، سواء في مجال الإيمان والتوحيد، أو في مجال العبادات والمعاملات والأخلاق، وسائر ضروب التشريع وأنواعِ النُّظُمِ الإسلامية، وما شابها من خرق سافر عريض، وتمرد على شؤون الربوبية، وانتهاك لحقوق الله، بما هو رب البشرية ورب العالمين. كل ذلك راجع على الإجمال إلى انحراف في المعنى الباطن للفطرة؛ بسبب ما حصل لها من تشوهات في المفاهيم الإيمانية، وانحرافات في فروعها السلوكية والأخلاقية.

وخذ لذلك إن شئت مثال العري السافر الرهيب، الذي آل إليه حال المرأة المسلمة اليوم، وما يقع من الارتكاس المصنوع للشباب – ذكرانا وإناثا - في الشهوات، وترديهم في مستنقعات الموبقات، وما يحدث – في سياق ذلك - من الانتهاك الفاجر المحموم لحرمات الله، كل ذلك وما في معناه راجع إلى ما حدث لدى الجيل، من انحرافات وتشوهات في صندوق الأسرار الجِبِلِّيِّ: الفطرة! لقد تم تطبيع التصورات والأذواق على تمجيد صور الباطل، وتزيين مفاهيم الضلال! فحصل استقذار معاني الجمال والحياء، واستحلاء معاني الفحش والبذاء! وطغى التمرد على كل معاني القيم الفطرية والأخلاق الفاضلة! ففسدت حاسة الذوق الروحي لدى الإنسان، تماما كما يفسد الذوق الحسي لدى مدمن الخمور والمخدرات، عندما تراه يستحلي روائحها النتنة القذرة! فهذا وذاك، كلاهما فساد في أصل الفطرة مبين! ولذلك صرنا في حاجة إلى إعادة تأسيس جديد لمفاهيم الخير والشر، والجمال القبح، والحق والباطل، والصلاح والفساد، إلى غير ذلك من المقولات والمفاهيم المؤسسة للحياة العمرانية على الأرض في شتى صورها الحضارية.

وهذا لن يقوم به فرد، ولا جماعة إسلامية محدودة، ولا حزب يصارع في دائرة ضيقة، بل هذا مشروع بعثة تجديدية شاملة، ينهض به جيل كامل من العلماء العاملين، والحكماء الربانيين؛ بقصد رد البناء إلى أصله، وإعادة صياغة الإنسان على أساس موازين الوحي وعلى عينه.

لقد انحرف المعنى الأصلي للفطرة الإنسانية في عالم الروح؛ فانحرف بانحرافه السلوك البشري في الأرض! ولو لم يحصل الأول لما حصل الثاني! ففجور العري الجسماني – مثلا - ليس سوى تجل لفجور العري الإيماني! ولك أن تتدبر عمق الارتباط بين الأمرين في هذا النص القرآني العجيب،

من قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً. وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا. إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا! قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ! أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ؟ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ!)

(الأعراف: 26-29)

فالانحراف المبيَّن في الآية مؤسَّس له من قبل بانحراف مفهومي في طبيعة الحقائق والقيم، بدءا بوسوسة الشيطان لآدم في خطيئته الأولى، وانتهاءً بما وصل إليه حال البشرية من تمرد على مفاهيم الحق والجمال، حيث صارت تُسَوِّغُ كل ضلالاتها بأنها هي الحق، وأنها هي عين الفضيلة والجمال!

(وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا!)

كذا! فأي خراب للفطرة بعد هذا؟

لقد استطاع الشيطان في صراعه المرير مع الإنسان أن يغريه بمد يده الطائشة المستهترة إلى مركز الأسرار من حياته، ويقنعه بتغيير ما هو منهي عن الاقتراب منه، بَلْهَ مسه والعبث به!

(وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً. وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً!)

(النساء: 118- 119).

فالتغيير لخلق الله ههنا هو بمعنى إفساد الفطرة، في هيئتها المعنوية أصالةً ثم الجسمانية تبعاً. فَتَبْتِيكُ آذان الأنعام هو بمعنى تشقيقها؛ لجعلها علامة على ما وهبوه لآلهتهم من قرابين لا تُرْكَبُ ولا تُحلب! وهذا تغيير للفطرة ولكن بما هو إفساد للدين أساساً وتغيير له؛ لأن التشقيق إنما يقع بقصد الشرك بالله.

وأما قوله تعالى بعدُ: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ!)

فهو في إفساد الفطرة المعنوية مطلقا. الفطرة بما هي دين الله الحق.

وعلى ذلك أورد ابن كثير مذهب عدد من السلف في تفسير هذه الآية، قال رحمه الله: (وقال ابن عباس في رواية عنه، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والحكم، والسدي، والضحاك، وعطاء الخراساني، في قوله: "وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ"، يعني: دين الله عز وجل. هذا كقوله: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ!" على قول من جعل ذلك "أمراً", أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم!

كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه, أو ينصرانه, أو يمجسانه, كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء؟!»

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: إني خلقتُ عبادي حنفاء, فجاءتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُمْ عن دينهم, وحَرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهم!»)

(8)

إن حجم التشوهات الحاصلة في إنسان هذا العصر البئيس، وما عليه من انحرافات تمتد من العقائد والتصورات والمفاهيم، إلى الممارسات والتصرفات والأخلاق، وسائر ضروب الأذواق؛ لتنبئ عن عمق التشوه الذي أصابه في فطرته التي فطره الله عليها، بما هو إنسان!

إن خطورة التشوهات المعاصرة أنها قد عمت بها البلوى؛ بصورة توهم الأجيال أنها هي الوضع الطبيعي للإنسان! وأن الشذوذ والانحراف إنما هو في عكسها!

لقد تدفق سيل الفساد على خلايا الروح المشكلة للفطرة الباطنة؛ حتى صار من الصعوبة جدا أن تجد من نجا من آثار هذا الخراب الروحي الرهيب! إذ امتدت التشوهات الروحية، والاختلالات التصورية، والانحرافات السلوكية، حتى إلى كثير من الشرائح العاملة في إطار الحركة الإسلامية نفسها! إلا قليلاً! وكانت المأساة أن بعض مَنْ يعرض نفسه على أنه حامل الدواء - للنفس وللمجتمع - هو ذاته يعاني من الداء! الداء الذي يزعم أنه يملك علاجَه! لقد تسرب المرض إلى كثير من البدهيات الدينية في تصورات (الحركة الإصلاحية) المعاصرة، بصورة خفية، قد لا تخطر على بال؛ بما جعل محاولة إقناعها بمراجعة ذلك في أدبياتها ضربا من العبث! وجعلها تعتقد جهلا بأن ما هي عليه من فهوم ومقولات، هو عين الحق القاطع لكل جدل عقيم!

إن صدمة الطبيب عندما يكتشف أنه هو نفسه مريض، تكون أشد عليه من أي صدمة أخرى! بما يجعله - في بعض الأحيان - يرفض عرض نفسه على زميل له، ولو على سبيل الاستشارة! فيتمادى في طمس حقيقة مرضه، والدخول في علاجات فردية غير مجدية؛ إيهاما لنفسه وخداعا لها، مصرا على عدم الاعتراف بالواقع حتى يكون من الهالكين!

إن طبيعة المرض اليوم في الحياة الإسلامية العامة والخاصة، أعمق من أن تعالجه يد بشرية قاصرة، لا خبرة لها ولا اختصاص! إن اختلال سر الفطرة في الإنسان اليوم في حاجة ماسة إلى تدخل الرحمة الإلهية، بما تملك من معاني الربوبية وشؤونها العظمى، المحيطة بأسرار الملك والملكوت! فلا يستطيع إصلاح الفطرة البشرية اليوم، وإعادة تسويتها على أصل خلقتها، إلا الذي فطرها أول مرة! الرب العليم بطبيعة تكوينها، وخصائص تركيبها؛ بما خلق فيها من لطائف وأسرار! فهو وحده الخالق، وهو وحده من يملك حق الصيانة والرعاية.

(اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)

(الزمر: 62).

ومن هنا كان خطاب الوحي – بما هو خطاب الفطرة حقا - هو وحده المؤهل لإصلاح العطب الحاصل في محركات العمل الإسلامي المعاصر، والقادر على ترشيد السير وتصويب الاتجاه، وضبط بوصلة المقاصد والغايات، وإعادة ترتيب سلم الأولويات. كما أنه هو وحده المؤهَّل لإعادة تسوية ملامح الصورة الفطرية في النفس الإنسانية على العموم.

إن اشتغال العمل الإصلاحي بإعادة بناء العمران الروحي للفطرة الإنسانية، مؤد بالضرورة إلى إعادة تجديد العمران الاجتماعي والمادي للحياة الإنسانية برمتها! سياسةً واقتصادا واجتماعا. إذ ذلك هو المنهاج القرآني الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طيلة مدة بعثته الشاملة، بما استقرت عليه من كل وظائف النبوةِ، تلاوةً وتزكيةً وتعليماً.

فإذا صح للعمل الإسلامي هذا وجب أن يضبط الوسيلة الأساس، ألا وهي اعتماد خطاب الوحي لا غير، القرآن الكريم وبياناته النبوية. فالقرآن بما هو كلام رب العالمين، المنـزل لهذه الوظيفة أساسا، هو المؤهل وحده لإعادة بناء هذا النوع من الهدم والردم، الحاصل في الحياة البشرية اليوم، كما وصفنا وشخصنا. ولك أن تتدبر قوله تعالى في بيان طبيعة القرآن:

(قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً).

(الفرقان:6)

وقال في خصوص وظيفته:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً.)

(الفرقان: 32-33).

فإذا صح الأمران معا – الهدف والوسيلة تشخيصا وعلاجا – ثم شرع أبناء العمل الإسلامي فعلا في تطبيق "المنهاج القرآني الفطري"، كانوا هم أول من يخضع لعملياته الجراحية، من حيث يشعرون أولا يشعرون؛ لأن الوحي لا يصل إلى الناس إلا بعد أن تشتعل بحرارته قلوبُ الدعاة إليه، وتلتهب هي ذاتها بحقائقه، وتتوهج بخطابه! فلا نور ولا اشتعال إلا باحتراق! ولك أن تتدبر معاناة محمد بن عبد الله، ومكابدته للقرآن العظيم كيف كانت! وليس عبثا أن يُرْسِلَ – صلى الله عليه وسلم - هذا الشعورَ العميقَ نفَساً لاهبا بين يدي أصحابه الكرام، قائلا لهم:

(شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا!)

([9])

فشعور الداعية بأنه هو عينه قد صار موضوعا للإصلاح، لا آلة له فحسب، وبأن نفسه ذاتها قد صارت حديقة لمقص القرآن، يشتغل فيها بالتهذيب والتشذيب، وتربة لمائه الصافي الرقراق تتلقاه بشغف وشوق، ومصباحا لزيته الوهاج تحترق به مواجيدها توهجا واشتعالاً، كل ذلك علامة على أنه قد دخل في أول خطوات العمل الإسلامي السليم، وانخرط في مسلك السير الفعلي إلى الله، عبدا لله أولا، ثم داعيا إليه بصدقٍ، جل علاه. ذلك هو الحق إن شاء الله، وإلاًّ

(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ؟)

(يونس:32).

فقضية الفطرة إذن، هي قضية الدين في هذا العصر، وهي قضية الإنسان. ومن هنا كانت الفِطْرِيَّةُ مشروعا دعويا قائما على هذا المعنى، يحمل رسالته التربوية هدفاً ووسيلةً.

هذا، وبعد استقراء مواردها في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تشخيص أدوائها وتشوهاتها في عصرنا هذا، جعلنا لها – لتيسير الاشتغال بها - أدوات منهجية، نعرضها في مجموعة من المفاهيم القرآنية، تشكل جهازا تربويا متكاملا، هو مسمى "الفطرية" أو "المنهاج الفطري" في القرآن.



 

المراجع

  1. رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.
  2. الأُطُم: بضمتين، هو: كل حصن مبني بحجارة على هيئة مربعة. جمعه: آطام. وقد كانت هناك في عهد النبيصلى الله عليه وسلم، آطام بضواحي المدينة لحراستها.
  3. متفق عليه.
  4. متفق عليه، من رواية أبي هريرة مرفوعا.
  5. رواه مسلم. ونصه: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ. فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ!" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَى الْفِطْرَةِ!" ثُمَّ قَالَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ!" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ!" فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى).
  6. متفق عليه.
  7. متفق عليه، من حديث أبي هريرة مرفوعا.
  8.  تفسير ابن كثير: 1/557.
  9. رواه الترمذي والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع.


مقالات مرتبطة بـ خلل في الفطرة!

  • دلالة الفطرة أقوى من كل دليل

    الشيخ ابن عثيمين

    قال الشيخ ابن عثيمين : " دلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل  لمن لم تجتله الشياطين ، ولهذا قال الله

    16/12/2018 175
  • مخالفة الفطرة

    فريق عمل الموقع

    الأنجيل يخالف الفطرة ويحضك على أن تكون ذليلا مهانا فاقد للكرامة منهزما دائما :  (من لطمك على خدك الأيمن فحول

    28/02/2018 651
  • وجوده تعالى فطري

    محمد الغزالي

      وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته وليس من مسائل العلوم المعقدة،

    28/02/2010 1828