حال النافين لصفات الكمال والجلال

عمر سليمان الاشقر

حال النافين لصفات الكمال والجلال


وبعد أن بين الشيخ ما في منهج علماء الكلام من خلل ، وفصل القول في المنهج القرآني الإيماني الذي كشف الحق وأنار الدرب ختم كلامه قائلاً :" وعلى كل حال فلا يجوز للإنسان أن يتنطع إلى وصف أثبته الله – جلّ وعلا – لنفسه فينفي هذا الوصف عن الله متهجماً على ربّ السماوات والأرض ، مدعياً عليه أن هذا الوصف الذي تمدح به نفسه أنه لا يليق به ، وأنه ينفيه عنه ، ويأتيه بالكمال من كيسه الخاص ، فهذا جنون وهوس ، ولا يذهب إليه إلا من طمس الله بصائرهم " .

 


صفة الاستواء صفة كمال لا صفة نقص


ولبيان عظم جناية علماء الكلام على صفات الباري ضرب الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – مثلاً بصفة عظيمة من صفاته هي صفة الاستواء ، فقال : فهذه صفة الاستواء التي كثر فيها الخوض ، ونفاها كثير من الناس بفلسفة منطقية ، وأدلة جدلية أبطلوا بها الحق ، وأحقوا بها الباطل ، قد تجرأ الآلاف ممن يدعون الإسلام فنفوها عن ربِّ السماوات والأرض بأدلة منطقية .


فيقولون مثلاً : لو كان مستوياً على عرشه لكان مشابهاً للخلق ، لكنه غير مشابه للخلق ، فينتج أنه غير مستو على العرش . وهذه النتيجة باطلة لمخالفتها صريح القرآن .
وبين الشيخ – رحمه الله – أن صفة الاستواء صفة كمال وجلال ، تمدح بها رب السماوات والأرض نفسه ، والقرينة على أنها صفة كمال وجلال أن الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله ، التي هي منها ، ثم استعرض النصوص التي وردت فيها هذه الصفة للتدليل على صحة ما قرره :


1- أول سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف ، قال : ( إنَّ ربَّكم الله الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّامٍ ثُمَّ استوى على العرش يغشي اللَّيل النَّهار يطلبه حثيثاً والشَّمس والقمر والنُّجوم مسخَّرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربُّ العالمين ) [ الأعراف : 54 ] ، فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال ؟

 
2- الموضع الثاني في سورة يونس ، قال : ( إنَّ ربَّكم الله الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّامٍ ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه ذلكم الله ربُّكم فاعبدوه أفلا تذكَّرون – إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقّاً إنَّه يَبْدَأُ الخلق ثمَّ يعيده ليجزي الَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات بالقسط والَّذين كفروا لهم شرابٌ من حميمٍ وعذاب أليم بما كانوا يكفرون – هو الَّذي جعل الشَّمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلاَّ بالحق يفصلُ الآيات لقومٍ يعلمون – إنَّ في اختلاف الَّليل والنَّهار وما خلق الله في السَّماوات والأرض لآياتٍ لقومٍ يتَّقون ) [يونس : 3-6] .
فهل لأحد أن ينفي شيئاُ من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال ؟


3- الموضع الثالث في سورة الرعد ، في قوله – جلّ وعلا - : ( الله الَّذي رفع السَّماوات بغير عمدٍ ترونها ثمَّ استوى على العرش وسخَّر الشَّمس والقمر كلٌّ يجري لأجلٍ مسمًّى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلَّكم بلقاء ربكم توقنون – وهو الَّذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الَّليل النَّهار إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون – وفي الأرض قطعٌ مُّتجاوراتٌ وجنَّاتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوانٍ يُسقى بماءٍ واحدٍ ونفضل بعضها على بعض في الأكل إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون ) [ الرعد : 2-4 ] ، فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال ؟

 
4- الموضع الرابع في سورة طه : ( طه – ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى – إلاَّ تذكرةً لمن يخشى – تنزيلاً ممَّن خلق الأرض والسَّماوات العُلى – الرَّحمن على العرش استوى – له ما في السَّماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى – وإن تجهر بالقول فإنَّه يعلم السرَّ وأخفى – الله لا إله إلاَّ هو له الأسماء الحسنى ) [ طه : 1-8 ] .فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال ؟


5- الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله : ( وتوكَّل على الحيَّ الَّذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً – الَّذي خلق السَّماوات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ ثمَّ استوى على العرش الرَّحمن فَاسْأَلْ به خبيراً ) [ الفرقان : 58-59 ] .فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال ؟


6- الموضع السادس في سورة السجدة في قوله تعالى : ( أم يقولون افتراه بل هو الحقُّ من رَّبك لتنذر قوماً مَّا آتاهم من نَّذيرٍ من قبلك لعلَّهم يهتدون – الله الَّذي خلق السَّماوات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ ثمَّ استوى على العرش ما لكم من دونه من وليٍ ولا شفيعٍ أفلا تتذكرون – يدبر الأمر من السَّماء إلى الأرض ثمَّ يعرج إليه في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ ممَّا تعدُّون – ذلك عالم الغيب والشَّهادة العزيز الرَّحيم – الَّذي أحسن كل شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طينٍ – ثمَّ جعل نسله من سلالة من ماءٍ مَّهينٍ – ثُمَّ سوَّاه ونفخ فيه من رُّوحه وجعل لكم السَّمع والأبصار والأفئدة قليلاً مّا تشكرون ) [السجدة : 3-9] .
فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الغاية من الجلال والكمال ؟

 
7- الموضع السابع في سورة الحديد في قوله تعالى : ( هو الأول والأخر والظَّاهر والباطنُ وهو بكل شيءٍ عليم – هو الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيامٍ ثُمَّ استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السَّماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصيرٌ ) [ الحديد : 3-4 ] .


فالشاهد أن هذه الصفات التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السماوات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص . ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها ، مع أن الله – جلّ وعلا – تمدّح بها ، وجعلها من صفات الجلال والكمال ، مقرونة بما يبهر من صفات الجلال والكمال ، وهذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله – جلّ وعلا – بالتأويل .

مقالات مرتبطة بـ حال النافين لصفات الكمال والجلال