حاسة الشم لدى الأسماك

هارون يحي

 

إنّ تحسس الروائح عملية حيوية مهمة جدا بالنسبة إلى أغلب الأسماك70، وتقع المنطقة الشمية في الأسماك في السطح الخلفي لتجويفها الأنفي، وتستطيع تحسس جزيئات الروائح المذابة في الماء كوسيلة للوصول إلى المواد الغذائية، وهي تستخدم حاسة الشم كذلك في تجنب الأخطار والأعداء، فعند تمييز الأسماك لرائحة سمكة جريحة سرعان ما تتخذ وضع الإنذار تحسبا لأي خطر قادم.

(اهى الذِي سَخّرَ لَكُم البَحرَ لِتَجرِي الفُلكُ فِيهِ بِأَمرِهِ وَلِتبتَغُوا مِن فَضلِهِ وَلَعَلّكُم تَشكُرُونَ) سورة الجاثية- الآية 12.

إنّ سمك القرش يشبه الإنسان لأن لديه أنفا في رأسه، ولكنه يستخدم أنفه لشم الروائح فقط. فجزئيات الروائح التي تذوب في الماء تدخل أنفه أثناء السباحة في الماء، وبالتالي يقوم سمك القرش بتحليلها. والمثير للانتباه أن ثلث مخ سمك القرش هو عبارة عن مركز للشم71. ولهذا الحيوان طريقة خاصة في أداء وظيفة الشم، وبواسطة هذه الطريقة يستطيع تعقب مصدر الرائحة والوصول إليها حتى وإن كان الأثر الذي يتعقبه قطرة دم من حيوان ما أو مادة كيمياوية منبعثة من فريسة معينة.

وعلى سبيل المثال يستطيع سمك القرش أن يميز عشر قطرات صغيرة من رائحة سمك التونة في حوض ملئ بالماء72. ويتميز ثعبان الماء بحاسة الشم القوية جدا، فهذا الحيوان يستطيع تمييز رائحة مادة ما في بحيرة كبيرة حتى لو كانت كمية تلك المادة بملئ قمع صغير كالذي يستخدم في الخياطة 73. أما سمك السالمون فيعتبر من أكثر أنواع السمك إثارة للباحثين وذلك بسبب امتلاكه لحاسة شم متميزة قوية جدا.

البوصلة الموجودة في أنف سمك السالمون

عند الحديث عن هجرة الحيوانات فإن أول ما يخطر على بالنا هجرة الطيور في مواسم معينة، ولكن الهجرة لا تقتصر على الحيوانات الطائرة بل هناك هجرة تحدث في البيئة المائية وكذلك البرية. ويعتبر سمك السالمون من الحيوانات المهاجرة في البيئة المائية، فصغار هذا السمك تخرج من البيض في أواخر شهور الشتاء إلى المياه الجارية. وبعض أنواع هذا السمك يبدأ في الهجرة مباشرة بعد فقس البيض نحو البحار والمحيطات، وبعض الأنواع الأخرى يبدأ هجرته تلك بعد أسابيع من فقس البيض، أما البعض الآخر فلا يهاجر إلا بعد قضائه عدة سنوات في مواطنه عند المياه العذبة. وبعد أن تقضي هذه الأسماك عدة سنوات في البحار المفتوحة، وعند نضوج أعضائها التناسلية بالذات تبدأ رحلة من أغرب الرحلات التي تثير دهشة الإنسان.

هذه الرحلة التي يقوم بها سمك السالمون تهدف إلى الوصول إلى المياه العذبة أو مواطنها الأولى التي قدمت منها كي تضع بيضها في تلك الموطن، ورحلة العودة أكثر خطورة من رحلة الذهاب لأن السالمون هذه المرة ينبغي عليه السباحة عكس اتجاه تيار المياه، وعليه كذلك اجتياز الموانع العالية والشلالات الموجودة في طريقه و ذلك باستخدام القفز. ورحلة العودة لسمك السالمون طويلة جدا إذ تبلغ أحيانا آلاف الكيلومترات74، فعلى سبيل المثال يقطع سمك السالمون الأحمر مسافة تصل إلى 1600 كيلومتر خلال البحار والأنهار75. أما السالمون المدعو بالملك وكذلك السالمون المدعو بالكلب فيقطعان مسافة تبلغ 3200 كيلومتر76. وتقوم أسماك السالمون التي تعيش في المحيط الأطلسي بهذه الرحلة كل سنة.

أما الأنواع الأخرى فلا تهاجر سوى مرة واحدة خلال كامل حياتها. (وسوف يتم بحث هجرة سمك السولمون من جهة موضوع هذا الكتاب فحسب).

إن سمك السولمون يقوم بهذه الرحلة الطويلة والشاقة دون أن يستخدم خريطة أو مرشدا في الطريق الذي يسلكه، وكذلك فإنه لم يتلق تعليما مسبقا عن كيفية اهتدائه للاتجاه الصحيح. وبالرغم من ذلك فإنه يجد وبسهولة مصب النهر الذي قدم منه خلال مرحلة الشباب، ويستطيع أيضا أن يهتدي إلى فرع النهر الذي سيؤدي به إلى مسقط رأسه من بين الفروع العديدة لذلك النهر، ويستطيع أن ينجز هذه المهام الصعبة وبنجاح مذهل. وهذا النجاح يرجع إلى احتواء جسمه على حاسة شم خارقة تعمل كوسيلة لتحديد الاتجاه الصحيح ودون أي خطإ.

لقد تم اكتشاف هذه الخاصية المميزة لسمك السولومون خلال التجارب التي أجريت في السبعينات، ومن أشهر هذه التجارب تلك التي أجراها آلان شولز الباحث في جامعة ويسكونن، فقد قام باستخدام مادتين كيمياويتين مختلفيتين لهما رائحتين مختلفتين وعرض إحدى المادتين على سمك السولومون المسمى بالفضين ومن ثم سمح لهذه الأسماك بالسباحة والحركة بحرية، وقد تبين أن الأسماك عادت إلى القرب من ذلك الفرع من النهر الذي وضعت فيه تلك المادة الكيمياوية التي تعرضت لها في شبابها بينما لم تقترب تلك الأسماك من فرع النهر الآخر القريب الذي وضعت فيه المادة الكيمياوية الأخرى، أي أن سمك السولومون يعود إلى مصدر الرائحة التي شمها في شبابها77 . ولسمك السولومون أنف ذو منخرين يدخل الماء من أحدهما ليخرج من الآخر.

ويُفتح المنخوان ويغلقان بالتزامن مع عملية التنفس التي تقوم بها السمكة، وبهذا الشكل تستطيع السمكة أن تتحسس جزيئات الروائح المذابة في الماء. ولكل فرع من فروع أي نهر رائحته المميزة تنتج من مجموع روائح الكائنات البرية والمائية التي تعيش فيه، وسمك السولومون يستطيع تمييز كل رائحة على حدة. ومن خلال مقارنة هذه الرائحة المميزة والمخزونة في ذاكرته الشمية مع ما يصادفه من روائح مختلفة خلال رحلة العودة يستطيع الاهتداء إلى الاتجاه السليم، وبالتلي مواصلة الرحلة78. وباختصار تعتبر حاسة الشم دليلا ممتازا لإرشاد سمك السولومون نحو الطريق الصحيح خلال رحلته التي تبلغ آلاف الكيلومترات.

لا شك أن هذه الحساسية الفائقة لحاسة شم سمك السولومون تعكس القدرة الإلهية الفائقة في خلق الكائنات والأشياء. ويقول الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:

(وَمِن آيَاتِهِ خَلقُ السّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَثّ فِيهِمَا مِن دَابّةٍ وَهوَ عَلَى جَمعِهِم إِذَا يَشاءُ قَدِيرُ) سورة الشورى-الآية 29

مقالات مرتبطة بـ حاسة الشم لدى الأسماك

  • حاسة الشم لدى الطيور

    هارون يحي

      كان الاعتقاد السائد في أوساط العلماء وحتى إلى ما قبل الثلاثين سنة الأخيرة بأن الطيور عاجزة تماما عن

    22/12/2009 9762
  • دور حاسة الشم في عملية التذوق

    هارون يحي

      عند إحساسنا برائحة الخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، أو رائحة المعجنات الشهية، أو رائحة التوابل المنبعثة

    10/12/2009 20085
  • العجائب الموجودة في حاسة الشم

    فريق عمل الموقع

      إنّ حاسة الشم تنقل للإنسان معلومات مهمة عن محيطه الخارجي، فهي حاسة لها دور مهم في معرفة ما يجري حولنا.

    10/12/2009 4840