ثمرات الاستغفار و آثاره (2)

عزيز بن فرحان العنزي


(2) الأمــان من العذاب العام والخاص :

فبالاستغفار يرفع الله العذاب عن الأمَّة: أفرادها وجماعتها، الذي سببه الذنوب والمعاصي، فإذا استغفروا آمنوا بإذن الله جلَّ وعلا، يقول تعالى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) [الأنفال: 33].

قال أبو موسى – رضي الله عنه -: " كان لنا أمانان وبقي الآخر " (أخرجه أحمد).

يقصد بالأمان الأول: رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وبالثاني: الاستغفار.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية: والكلام عليها من وجهين: أحدهما في الاستغفار الدافع للعذاب، والثاني: في العذاب المدفوع بالاستغفار.

أما الأول: فإنَّ العذاب إنما يكون على الذنوب، فالاستغفار يوجب مغفرة الذنوب التي هي سبب العذاب، فيندفع العذاب، كما قال تعال: ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) [هود: 1-3].

فبيَّن سبحانه أنه إذا فعلوا ذلك متِّعوا متاعًا حسنًا إلى أجلٍ مُسمًّى، ثم إن كان لهم فضل أُوتوا الفضل.

وقال تعالى عن نوح: ( قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إلى قوله تعالى : ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ) [نوح: 2-11]

وقال تعالى: ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) [هود: 52].

وذلك أنه قد قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) [الشورى: 30].

وقال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) [آل عمران: 155].

وقال تعالى: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) [آل عمران: 165].

وقال تعالى: ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) [الروم: 36].

وقال تعالى: ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) [النساء: 79].

وأما العذاب المدفوع فهو يعم العذاب السماوي، ويعم ما يكون من العباد وذلك أن الجميع قد سماه الله عذابًا، كما قال الله تعالى في النوع الثاني: ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) [البقرة: 49].

وقال تعالى: ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) [التوبة: 14].

و كذلك: ( هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ) [التوبة: 52]، إذ التقدير بعذاب من عندي، أو بعذاب من أيدينا، كما قال تعالى: ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ) [التوبة: 14].

وعلى هذا فيكون العذاب بفعل العباد، وقد يقال: التقدير: ( وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ) [التوبة: 52]، أو يصيبكم بأيدينا، لكنَّ الأول هو الأوجه؛ لأنَّ الإصابة بأيدي المؤمنين لا تدل على أنها إصابة بسوء، إذ قد يقال: "أصابه بخير، "أصابه بشر"، قال تعالى: ) وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيـبُ بِهِ مَنْ يَشَـاءُ مِنْ عِبَادِهِ ( [يونس: 107].

و قال تعالى: ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) [الروم: 48]، وقال تعالى: ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ) [يوسف: 56]، ولأنه لو كان لفظ الإصابة يدلُّ على الإصابة بالشرِّ فقط لاكتفى بذلك في قوله: ( أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ) [التوبة: 52]، وقد قال تعالى أيضًا: ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) [النساء: 78]، ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) [النساء: 79]، ومن ذلك قوله تعالى: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) إلى قوله تعالى ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [النور: 2]، وقوله تعالى: ( فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ) [النساء: 25].

ومن ذلك: أنه يقال في بلال ونحوه: «كانوا من المعذَّبين في الله»، ويقال: إن أبا بكر اشترى سبعًا من المعذَّبين في الله، وقال صلى الله عليه وسلم: «السفر قطعة من العذاب» (أخرجه البخاري).

وإذا كان كذلك فقوله تعالى: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) [الأنعام: 65]، مع ما قد ثبت في الصحيحين عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال: أعوذ بوجهك ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال: أعوذ بوجهك ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال: «هاتان أهون»، يقتضي: أنَّ لبسنا شيعًا وإذاقة بعضنا بأس بعض، هو من العذاب الذي يندفع بالاستغفار، كما قال: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) [الأنفال: 25]، وإنما تُنفَى الفتنة بالاستغفار من الذنوب والعمل الصالح.

وقوله تعالى: ( إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [التوبة: 39].

قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله، فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة، حتى تقع بينهم الفتنة، كما هو الواقع، فإنَّ الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألَّف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله بأن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض.

وكذلك قوله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [السجدة: 21]، يدخل في العذاب الأدنى: ما يكون بأيدي العباد، كما قد فُسِّر بواقعة بدر ما وعد الله به المشركين من العذاب (مجموعة الفتاوى (15/41) وما بعدها) .

مقالات مرتبطة بـ ثمرات الاستغفار و آثاره (2)

  • ثمرات الاستغفار و آثاره (5)

    عزيز بن فرحان العنزي

    (6) الاستغفار سبب في زيادة القوة : فالاستغفار يعطي القلب والبدن قوة عجيبة يتحملان ببركته الشدائد ، قال تعال على

    31/12/2017 1720
  • ثمرات الاستغفار و آثاره (4)

    عزيز بن فرحان العنزي

    (4) الاستغفار سبب لنزول الأمطار : فمن أسباب نزول الأمطار كثرة الاستغفار ، قال تعالى : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا

    29/12/2017 1100
  • ثمرات الاستغفار و آثاره (7)

    عزيز بن فرحان العنزي

    (10) في الاستغفار أمان من النار و دخول الجنة بإذن الله تعالى : فعن شداد بن أوس – رضي الله عنه – قال: قال رسول

    05/01/2018 722