ثانياً الإعجازالبياني

د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح

الإعجاز البياني من صيغ الإعجاز التي تجمع بين بلاغة اللفظ، وحسن المعنى، ولم يستطع البلغاء مجاراته أو محاذاته ومشاكلته، بل ينكر العلامة السيوطي أن هناك من هم بالمحاولة من قريش(1)، وصدق الله القائل:

﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1﴾

[هود].

وقد تحدى الله عز وجل به كفار قريش والعرب، بل الإنس والجن، ولم يستطع أحد كائناً من كان أن يقاوم هذا التحدي، على الرغم أن قريشاً كانت حين نزل القرآن الكريم قد بلغت الذروة العليا في البلاغة والفصاحة، إذ قد صب الله جمال اللغة وبلاغتها في لسان قريش، مما جعلها الحاكمة على العرب في أسواقها كعكاظ وذي المجنة وذي المجاز. ولذا تحداهم تحدياً صارخاً وكانوا أحرص الناس على تكذيبه صلى الله عليه وسلم وإبطال حجته، وتدرَّجَ معهم في مراتب هذا التحدي، إذ طَلَبَ منهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، الذي يتكلمون كلماته، ويعرفون معانيه، ثم تنزَّل فطالبهم بالإتيان بعشر سور من مثله ولو مفتريات، فلم يستطيعوا، فتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا.

قال بعض أهل العلم "إن الذي أورده المصطفى صلى الله عليه وسلم على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لأنه أتى أهل البلاغة، وأرباب الفصاحة، ورؤساء البيان والمتقدمين في الألسن بكلام مفهوم المعنى عندهم فكان عجزهم أعجب من عجز من شاهد المسيح عليه الصلاة والسلام عن إحياء الموتى، لأنهم لم يكونوا يطيقون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص، ولا يتعاطون علمه، وقريش تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة فدل أن العجز عنه إنما كان لأن يصير علماً على رسالته، وصحة نبوته. وهذا حجة قاطعة وبرهان واضح"(2).

فمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم هذه أبلغ من معجزات من سبق من الأنبياء، لأن الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم وسلامه تحدوا أقوامهم بشيء لا يقدرون عليه، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد تحدى أهل الفصاحة  في خاصة كلامهم وبيانهم، فلم يقدروا على ذلك. ومعجزات الأنبياء مات من رآها، ولم يبق إلا تواتر أخبارها، (وليس الخبر كالمعاينة)(3)، لكنَّ معجزة محمد صلى الله عليه وسلم وتحديه أدباء العرب كافة على مرّ العصور أن يصنعوا ولو سورة واحدة، هو تحدٍّ باقٍ يقرِّه الناس في كل زمان ومكان، ويعجزون عنه.

قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ٢٣﴾

[البقرة]،

فأمهلهم حتى يستعينوا بغيرهم من أهل الفصاحة والبيان.قال البيهقي: "فهذا دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب ائتوا بمثله إن استطعتوه ولن تستطيعوه إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه، ولا يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربه الذي أوحى له، فوثق بخبره .."

فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾

[البقرة:24]،

ومن ناحية أخرى كشف الله عن خفايا قلوبهم، وأبان لنبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا يعلمون أن هذا حق، وأنه من المستحيل أن يكون من عند بشر، وما صدهم عن الاعتراف للنبوة إلا الكبر والحسد والعناد،

قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

[الأنعام:33]،

  فهذا أبو جهل يعلق على رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب بقوله مخاطباً العباس رضي الله عنه: إنا وإياكم كفرسي رهان، فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الركب، قلتم: منا نبي. فما بقي إلا أن تقولوا: منا نبيّة(4).ورغم تكذيب قريش ومعاداتها، كانت أساطينها وساداتها يتسللون ليلاً ليستمعوا إلى تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إعجاباً وانبهاراً وذهولاً من عظمة هذا القرآن وجماله،

فقد روى ابن هشام: أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا إلى تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل واحد منهم لا يعلم مكان صاحبه، فباتوا يستمعون، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق. فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. وذلك لأن بيان القرآن، وجمال أسلوبه، ورقي لغته قد بلغ منهم مبلغاً قوياً في تأثيره ولم يستطيعوا مقاومة هذه البلاغة إلا بمثل ما فعلوا، ولكن صدهم عن الحق الكبر والغطرسة، وهذا عتبة بن ربيعة حين أرسلته قريش للنبي صلى الله عليه وسلم تطالبه بالكف عن سب آلهتهم وليحد من دعوته، فعرض عليه بعض المغانم مقابل ذلك(5). فلما انتهى من كلامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: (أوقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فتسمع مني؟ قال: أفعل)، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم:  بسم الله الرحمن الرحيم

﴿حم 1 تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  2 كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ3﴾

إلى أن وصل إلى

قوله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ13﴾

[ فصلت: 1 - 13](6).

وكان أبو الوليد متكئاً فجلس وقبض على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وبدلاً  من أن يذهب إلى كفار قريش الذين أرسلوه وكانوا مجتمعين في دار الندوة عاد إلى بيته فلقيه في الطريق أبو جهل وقال له: يا أبا الوليد أين أنت ذاهب؟ وماذا وراءك؟ قال: دعنى فقد سمعت كلاماً ما سمعت مثله قط، ليس هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة،  إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أوله لمثمر، وإن آخره لمورق.. لقد كان مذهولاً مأخوذاً بجمال هذا البيان وعظمته.

وقد تساءل الفيلسوف البريطاني (توماس كاريل) عند علماء الأزهر وكان قد درس اللغة العربية: لماذا لا يمكن أن يؤلف مثل القرآن؟ فما كان شاعر إلا وظهر من هو أفضل منه، ولا نبغ كاتب إلا وكان هناك من هو أبلغ منه. فقالوا له: حسناً تعال نَصِفُ سعةَ جهنم. فكتب بعض الجمل: إن جهنم واسعة أكثر مما تظنون، لو اجتمع الإنس والجن لأخذتهم جهنم، فضحك الأزهريون، فقال لهم: ماذا قال القرآن الكريم؟، فقالوا:

قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ 30﴾

[ق]

، فقال: مثل هذا لا يمكن أن يقوله أحد. فالآية على كلا احتماليي معنى الاستفهام إعجاز . فإن كان الاستفهام للتقرير: كان المعنى، وسعتهم يارب ومازال هناك متسع، وإن كان الاستفهام للإنكار: كان المعنى كلا يارب لم يبق مكاناً، فقد وسعتهم جميعاً.

----------------------------------------

(1)  أنظر: الخصائص الكبرى، فصل الإعجاز القرآني.

(2)  دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي 1/16، 17 – طبعة أولى، دار الكتب العلمية، بيروت.

(3)  حديث شريف. أخرجه أحمد 1/251، 271 والطبراني في المعجم الكبير (12451) وابن عدي في الكامل 7/2596، والحاكم 2/321 و380 وابن حبان رقم (6213) والخطيب في تاريخ بغداد 6/56، عن ابن عباس رضي الله عنهما – وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. ومخرجو المسند (2248) وفيه هشيم مدلس، ولكن تابعه أبو عوانة عن ابي بشر به عن البزار (200) وابن حبان (6214) وغيرهم.

(4)  أنظر: تفسير الدر المنثور للسيوطي عند الآية 8 من سورة الأنفال.

(5)  أنظر سيرة ابن هشام 1/315.(6)  وأنظر تفسير ابن كثير 4/136-143.

مقالات مرتبطة بـ ثانياً الإعجازالبياني