تَنَاوُلُ قَدْرٍ قليل من الآيات يُشَكِّلُ معنى يحسن السكوت عليه

الشيخ / فريد الأنصاري


الضابط الرابع عشر: فإذا تمت حصة التلاوة والاستماع والإنصات إلى كتاب الله، كما يليق بكلام الله؛ فليشرع في قراءة خلاصة التفسير قراءةً مسموعة هادئة مفصَّلَةً؛ حتى يستوعب أهلُ المجلس مقاصدَ الكلام ومراميه، ثم يُشْرَع بعد ذلك في تدارس الخطاب القرآني من خلال ما تَحَصَّلَ في الذهن من معانٍ إجمالية للآيات.

وللدخول العملي في التدارس يحسن اتباع الخطوات المنهجية الآتية:

- الضابط الخامس عشر: تَنَاوُلُ قَدْرٍ قليل من الآيات يُشَكِّلُ معنى يحسن السكوت عليه، والوقوف عنده. سواء كان آية واحدة، أو ثلاث آيات، أو خَمْساً، أو سبعا. بشرط ألا يتعدى المقدار المدروس من ذلك كله نِصْفَ ثُمُن الحزب، بالتحزيب المتداول للقرآن الكريم، المطبوع في المصاحف بعلاماته المعروفة(1). فَيُقْرَأُ ما ورد فيها من التفسير.

- الضابط السادس عشر: يُتَحَقَّقُ من الفهم العام للمعاني التي وردت بها، وأن أهل المجلس على إدراك حسن للمقصود. ويمكن أن تثار الأسئلة حول ما أشكل منها؛ للوصول إلى بيانٍ أشمل وأوضح. ولهذا يمكن مراجعة تفسير الآيات المقصودة بالدراسة أكثر من مرة؛ إن اقتضى الحال. فإذا تبين المعنى العام فلا ينبغي الاستغراق في التفاصيل؛ لأن الغاية هي أبعد من مجرد التفسير! كما سترى بحول الله.


ولكن لابد من التنبيه إلى أمر أساس، وهو: أن على المسيِّر أن يحرص على إيصال  الفهم السليم للآيات بأبسط العبارات وأسهلها إلى جميع الجلساء. خاصة إذا تبين له أن هناك شخصا منعزلا، أو في حالة شرود، لا تبدو على وجهه أمارات الاهتمام والمشاركة النفسية على الأقل! فيقوم بذلك هو بنفسه أو بواسطة غيره من جلسائه بصورة حوارية؛ إذْ بغير الفهم السليم لا يكون شيء من المقصود في نهاية المطاف! والله ولي التوفيق.


- الضابط السابع عشر: فإذا اتضح المعنى؛ وجب - بعد ذلك مباشرة - الدخول في محاولة التعرف على الهُدَى المنهاجي للآية أو الآيات، وهو عَيْنُ الحِكَم المطلوب تعلُّمُها، مما ورد في آيات وظائف النبوة:

(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)

. وذلك بمحاولة استنباط الحقائق الإيمانية التي تتضمنها، والأحوال الخُلُقِيَّة التي تُرْشِدُ إليها، ومحاولة عدها باللسان، وإحصائها بالوجدان، وتداول ذلك بين سائر الْجُلَسَاءِ؛ حتى ترسخ بالقلب وتتضح صورتها بما يساعد على تَدَبُّرِها.


- الضابط الثامن عشر: وبمعرفة ما تيسر من الحِكَم والمقاصد نفتح باب التدبر للآيات، والتفكر في خلق الأنفس والأرض والسماوات. وذلك لغاية التخلق بأخلاق القرآن الكريم، والاتصاف السلوكي بِحِكَمِه العظيمة! والتفكرُ والتدبر – إذا خلص كلاهما لله- يورثان التخلق بأخلاق القرآن بصورة تلقائية، وبلا كلفة، كما بيناه من قبل بشواهده. ثم إن التدبر والتفكر أيضا – بما ينطويان عليه من إبصار للآيات(2)- يساعدان على معرفة السبل الكفيلة بتذليل النفس وترويضها؛ لقبول هذا الخُلُقِ الرباني أو ذاك، والتحلي بتلك الخصلة النبوية أو تلك. كما يساعدان على تشريح النفس تشريحا إيمانيا دقيقا، ومعرفة عللها الباطنية، واكتشاف موانعها الذاتية، مما رسخته فيها العوائدُ الفاسدة، والأهواء الباطلة، والشهوات والخطايا، وسائر إلقاءات الشيطان على الإجمال! ومعالجة ذلك كله بما تحصل لديها - بمجلسها ذاك - من أنوار الهدى القرآني.

المراجع

  1. وهو ما يقارب – في الغالب - نصف صفحة، من صفحات المصحف المطبوع في الأحجام العادية المتداولة اليوم.
  2. لتفصيل معنى "الإبصار" انظر إن شئت كتابنا: بلاغ الرسالة القرآنية.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ تَنَاوُلُ قَدْرٍ قليل من الآيات يُشَكِّلُ معنى يحسن السكوت عليه