تبصرة: كيف توثق العهد؟

الدكتور/ فريد الأنصاري

سل نفسك أولاً: هل حقا تريد البدء أم أنك تتمنى فقط؟ هل عزمت عزمتك لتوثيق التوبة، وإعلان الانطلاق في مدارج المجاهدة؛ سيراً إلى الله مع الصالحين المصلحين ؛ أم أنك ما تزال متردداً بإحراج الشيطان، سماعاً لوساوسه؟ لا يكون لك بدء يا صاحبي، ولا لبدئك أثر؛ حتى تجيب عن نفسك! وتحقق ذلك معها، وتعرف بالضبط ماذا تريد! 



فاحسم نيتك في نفسك مع الله أولاً! وإلا فلن تبرح مكانك! ولن تستطيع مغادرة طينك وتبقى هنالك، وقد انطلقت قوافل الركع السجد بعيداً، تضرب نحو باب الرضى الرباني العظيم! وخلفتك وراءها وحيداً، ضالاً بمتاهات الدخان تدور في درك الخطايا والآثام! وقد سبق المفردون: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات!! فأين أنت أيها المتمني؟ 


تلك قوافل المسترشدين الراشدين قد انطلقت، يقودها ـ إلى الله ـ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً بكل من (معه). وإنما معه الذين حققوا (المعية النبوية)! وهم أصحابه الميامين ثم تبعهم من إخواته المحجلين! اقرأ هذه الآية البصيرة؛ لنقول لك بعدها كلمة!

قال تعالى

{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم. تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. سيماهم في وجوهم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه. يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً}

(الفتح: 29).

تدبر الآية كلها أولاً! ثم خص بتدبرك عبارة: (والذين معه).. إنهم أهل (المعية النبوية) أهل (السيمى)! والسيمى، أو السيماء: العلامة الدالة على معنى. فهم إذن: الربانيون، أصحاب علامة الرضى من أثر السجود!


وليست (المعية) ههنا هي المعاصرة الدنيوية فقد عاصره كثير من الكفار والمنافقين. وكان المنافقون معه؛ لكن ليس بمعنى المعية النبوية الاتباعية! وإنما (معه) الربانيون! ولذلك دخل في معنى الآية إخوانه أيضا. وإخوانه: هم كل من آمن به من أمته صلى الله عليه وسلم ولم يره وكان من الصادقين! 
وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: وددت أني لقيت إخواني! قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي! وإخواني: الذين آمنوا بي ولم يروني! 


وفي رواية أخرى مفصلة

قال صلى الله عليه وسلم: وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا: أو لسنا إخوانك؟ قال: بل أصحابي!وإخواننا: الذين لم يأتوا بعد. قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم. ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض! ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال! أناديهم: ألا هلم! ألا هلم! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك! فأقول: سحقاً! فسحقاً! فسحقاً!.

ذلك العهد! فذلك ميثاقه، وذاك نقضه! 


هو عهد إذن؛ نقطعه على أنفسنا لله وحده، مخلصين له الدين إن شاء الله، سائرين إليه تعالى على طريق الإيمان رغباً ورهباً. معتصمين بكتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم استجابة لبلاغات القرآن العظيم، وقياماَ بأمرها. وأما باب الدخول إلى ذلك تطبيقاً وتحقيقاً؛ فهو أعمال وأقوال. وبيان ذلك هو كما يلي:

مقالات مرتبطة بـ تبصرة: كيف توثق العهد؟