تبصرة : في صوم المقلين السابقين!

الدكتور / فريد الأنصاري

    فإن لم تستطع التزام ورد من المسلكين المذكورين؛ لعلة تتعلق بالبدن، أو بطبيعة العمل المهني؛ فلك عوض عنهما عظيم! وذلك باغتنام فرص العمر العابرة، من صيام النوافل السنوية الكبرى. من مثل صيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء فقد صح فيهما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: صوم يوم عرفة يكفر سنتين: ماضية ومستقبلة! وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية! فمن التزامهما معاً، أو أحدهما؛ ورداً لكل سنة؛ كان ـ بعملية حسابية ـ كمن صام الدهر كله! ولك أيضاً في صيام ستة أيام من شهر شواال، بعد صيام ستة أيام من شهر شوال، بعد رمضان من كل سنة النتيجة عينها وربما أعظم! فقد صح قول الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعه ستاً من شوال كان كصوم الدهر!.

ذلك إذن؛ هو الصوم، فلك السير العجيب! براق الأوراد، وواردها السري، وذكرها الصامت! حيث يعبد الله بالترك لا بالفعل! وما أشد الترك على النفس وما أعصاه! لو تدري يا أيها السالك المحب! أن تترك ما تترك لله يعني أنك صرت من أهله! فاجعل على أورادك تاجاً من الصوم مهما قل؛ تختصر الطريق إلى الله  فتكن من أهل الريان، متفردا مع الصديقين والربانيين!

خاتمة

وخاتمة الكلام ـ يا أخي ـ فاتحة عمل لي ولك إن شاء الله. إذ تحصل لك من هذا الميثاق ثلاثة عهود:

العهد الأول: ورد الذكر

العهد الثاني : وردالقرآن والقيام

    العهد الثالث: ورد البلاغ. وهو ثلاثة مسالك: أولها المرابطة للصلوات، وثانيها مدارسة القرآن، وثالثها بلاغ حقائق الإيمان في الناس.

فتعهد نفسك ـ أيها السالك المحب ـ وأصحابك بالقرآن تدبراً، وبلاغاً. فإن لم تجد لك مجلساً قرآنياً، فأوجده، فإن لم تتمكن فاسلك ورد القرآن فرداً، ذاكراً ومتدبراً.

واحرص على ختمة العمر! وذلك بختم القرآن مدارسة. حتى يكون لك ذكره ـ بعد ذلك ـ سياحة في ملكوت الرحمن، وغذاء متدفقاً على الجنان، يحيى به القلب أبداً.  

واجتهد لبلاغ الخير في الأمة؛ واجعل لك رفقة من التائبين؛ ولتغرس لك ولهم جذوراً برياض المسجد، ليستقيم لك الصلاة صحبة. فهو خير لك من الدنيا وما فيها! بهذا يتم تناسل الخير في الأمة. فتحاسب نفسك كل يوم، عن جديد صنعك من ذلك.

قال الأمر إذن ثلاثة أعمال، هي مرجعك للمحاسبة والتقويم: رباط الصلاة، وورد القرآن والأذكار، ثم مجلس القرآن. إذا واثقت عهدك عليها هي ميزان الصدق والوفاء، لعهد الله وميثاقه. فهل وفيت؟

فاثبت على عملك الصالح، ولا تنقطع عن الخير! ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت (كان آل  محمداً صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملاً اثبتوه). أي: أداموا والتزاموه!

وليكن مشربك من هذا كله مورد السلف الصالح عقيدة صافية، وسلوكاً ربانياً تزينه التقوى، ويجلله الورع. ذلك أن ميدان الذكر وطريق السير إلى الله، كان منذ القديم مزلقا حرجاً، زلت بقممه أقدام، تاهت في مسالكه أقلام! لما زينه الشيطان خدعة واستدراجاً، لبعض جهلة العباد، من مخالفة السنة والأرتماء في مستنقعات البدع والخرافات.

فاحذر الحذر! مما لا دليل عليه من كتاب الله وسنة رسول الله. فإنما الأوراد عبادات. وقد علم في أصول الفقه: أن مثل هذه الأمور تؤخذ بالقاعدة الشرعية القاضية بأن (الأصل في العبادات المنع حتى يرد الإذن! وأن الأصل في العادات والإذن حتى يرد المنع!).

ثم أعلم بعد هذا كله أنه لن ينفعك من عملك الصحيح ظاهراً؛ إلا ما خلص لله الواحد القهار باطناً! فاحذر أن تكون من الأخسرين أعمالاً، ممن وصف الله جل وعلا في القرآن العظيم:

(قل هل نبئتكم بالأخسرين أعمالأ. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)

(الكهف: 103-104)

فإنك على خطيئتك، وفكر في مصيرك، فإن كل آت قريب. والعافية للمتقين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(يا أيها الذين آمنوا اصبوا وصابوا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)

(آل عمران: 200).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك واتوب إليك.

مقالات مرتبطة بـ تبصرة : في صوم المقلين السابقين!

  • تبصرة: في أن الذكر هو مسلك المفردين السابقين!

    الدكتور / فريد الأنصاري

    الذكر هو مفتاح البصيرة! هل تريد أن تكون من المبصرين؟ هل تشتاق إلى مشاهدة الأنوار الربانية؟ وهي تتدفق من بصائر

    14/03/2018 534
  • تبصرة في مجلس الذكر

    الدكتور / فريد الأنصاري

    الدخول في الذكر يحسن أن يكون بمجلس مخصص له ابتداء، فذلك أفضل؛ لشهادة السنة له في أحاديث كثيرة وردت في فضل (مجالس

    25/03/2018 481
  • مراتب العبادة

    الشيخ عبد العزيز بن باز

    هذه العبادات منها المستحب ومنها الواجب، فعبادة الله بالإخلاص له، وصرف العبادة لوجهه الكريم، وأداء ما فرض، وترك ما

    07/10/2013 4427