تبصرة: في براق الأوراد

الدكتور / فريد الأنصاري

وهو الورد الصامت! يطير بك سراً في سبحات الروح! يطير بك عالياً، عالياً جداً! ثم.. سويعات فإذا أنت على أعتاب الولاية! مع أهل الله وخاصته، سبحانه جل علاه! وأي ورد أصدق على هذا المعنى من الصوم ذلك هو براق الأوراد، ورافدها المتدفق على الوجدان بصمت!

تعددت النوافل وتشابهت في الخيرات، وتفرد الصوم بسر الانتساب الخالص إلى الله! وإذا بالعبد الصائم يدخل في مقام من مقامات العبودية، غير مقدرة بمكيال، ولا محصورة بحساب! مقام (عبد الله) المخلص المخلص! الذي أخلص لله حتى صفا؛ فأخلصه الله إليه؛ فكان من المخلصين! وضربت المعاني بأجنحتها في عمق غيب لا طاقةى لأحد من الخلق على سير أغواره فتولى الله جل جلاله لذلك إحصاء تلك المعاني، في صحيفة عبده المخصوص؛ بما شاء وكما شاء، مما لا دراية لأحد من الملائكة الكتبة به! ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى من الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله!

قال الله عز وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي! وأنا أجزي به! يدع شهوته وطعامه من أجلي!.

فأن تكون من (الصائمين) حقاً، معناه: أن تكون لله وبه! فإذا أنت: تسمع لا كما يسمع الناس! وتبصر لا كما يبصر الناس! قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: إن الله تعالى قال:

من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب! وما يتقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ منا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا احببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذته!


النوافل شتى.. نعم، لكن أصفاها مورداً وأخلصها مسلكاً، وأقربها طريقاً موصلة إلى ذلك المقام: هو الصوم! فهو براق الأوراد، أو الورد الصامت، الناطق بكل شيء، من الخير والجمال! إنه طريق سيار سريع، فلا تنس حظك منه! فأيامه لحظات تختلس من الدنيا! تمضي الدنيا وتفنى وتبقى أيامه ضحى ممتداً في الزمن الخالد!


الصوم، نعم؛ لكن هل أنت تعرفه؟ فَتَعَرف عليه أولا! إنه تاج النوافل وزينتها، ومح أسرارها! تلك آيات الصوم تقرؤها، وتلك أحاديثه تسردها؛ وذلك الانقطاع عن شهوتي البطن والفرج تعلنه؛ ولكن هل أنت تصوم؟

وإنما الصوم: ما تحقق لك به الذكر، وإلا فلا صوم! فهل أنت تصوم؟ اقرأ كلمات النبوة هذه، وتدبر، ثم أبصر!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رُب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش!.

كيف الصوم الذي به يكون الذكر إذن؟ هذه آية من بصائرالصوم في طريق الصائمين؛ لإدراك منبع الحكمة، والتعرف على سر تلك النعمة! آية قد لا تخطر بصيرتها ببال!

قال تعالى مخاطباً السيدة الكاملة، مريم الصديقة:

{فإنما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمنصوماً فلن أكلم اليوم إنسياً!}

(مريم:26).

هكذا:

{فلن أكلم اليوم أنسياً}

: صمت مطلق وقطيعة تامة مع كل متكلم من الناس! نعم، ذلك حكم من أحكام (شرع من قبلنا) هو منسوخ بشريعتنا، نعم؛ ولكن الحكمة ما كانت لتنسخ أبداً! وقد ينسخ الحكم وتبقى مقاصده ثابتة، مستقرة في كل الدين إلى يوم الدين! وهذا منه وإليك البيان!

لقد كان اللصوم ـ ولم يزل في شريعتنا ـ انقطاعاً وتبتلاً إلى الله جل وعلا. أنه اشتغال به وحده دون سواه؛ ولذلك توظف كل طاقات الجسم والنفس معاً في العبادة، والتوجهإلى الله, بحيث لا تشتغل بطعام ولا شراب ولا بجماع، حتى يرد الإذن من الرحمن! وتنقطع النفس عن كل كلام من اللغو والصخب والرفث حتى تصفو الكلمات بالفم طيباً من الذكر، أو مما يخدمه من ضرورات الكسب الحلال؛ فيعيش المسلم بذلك لحظات يجد نفسه فيها كلها لله! ويكون الصائم إذن صامتاً عن كل منازع الشهوات فلا كلام يصدر عنه إلا ما عبد الله به، أو خدم ذلك أصالة أو تبعاً! تحقيقاً لحكمة النبوة العظمى، إذ قال صلى الله عليه وسلم في بعض وصاياه:

(عليك بحسن الخلق وطول الصمت! فوالذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق بمثلهما!)

وصح من شمائله عليه الصلاة والسلام أنه (كان طويل الصمت قليل الضحك!) ذلك سمت المنقطعين إلى الله، من الأنبياء والصديقين. ولاشك أن من مقاصد الصوم تدريب العبد على التخلق بأخلاق ذلك المقام. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(ليس الصيام من الأكل والشرب! إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحدٌ، أو جهل عليك، فقل إني صائم! إني صائم!)

إني صائم: بمعنى منقطع عن الخلق إلى رب الخلق! منقطع أكلاً وشرباً وشهوةً، ومنقطع خطرة وفكرة وعبارة ومنقطع جسماً ونفساً! فلم يبق مني لغير الله! إني صائم! ويجمع ذلك كله حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى من الحديث القدسي، قال عليه الصلاة والسلام:

( قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي! وأنا أجزي به! والصيام جنة! وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا رفث! ولا يصخب! وإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم! والذي نفس محمد بيده! لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك!)

إنه انقطاع عن كل صخب أو صراخ أو ضجيج! وانقطاع عن كل جدل عقيم أو مراء يجر إلى ذلك، وانقطاع عن كل ما يمهد أو يُذكر بالشهوات! ومن كان لله لم يكن لغيره! حال من الصمت ـ طيلة اليوم ـ عن كل ما لا يصب في بحر التعبد من الكلام. حال من الاستسلام الكلي لله رب العالمين. حال من التوظيف الشامل لأعضاء البدن وأشجان النفس في حركة السير إلى الله. فأي ذكر أذكر من هذا، وأي فكر؟ ذلك هو الصوم! فهل أنت تصوم؟

    فليس عجباً أن يخصص الرب الكريم للصائمين ـ وللصائمين فقط ـ باباً من أبواب الجنة لا يدخل منه غيرهم!

قال صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة. لا يدخل منه أحد غيرهم! يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون منه، فإذا دخلوا أغلف فلم يدخل منه أحد!.

ونوافل الصوم في السنة الصحيحة كثير. إلا أن ما يمكنك التزامه من الصوم على سبيل الورد الدائم هو: مسلكان اثنان. لك أن تختار منهما، ولك أن تجمع بينهما، ولك أن تزيد عليهما بما صح في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. لكن، بشرط ألا تثقل على نفسك بما يؤثر على فرائض العبادات سلباً أو بما يؤدي إلى الفتور الكلي ثم الانقطاع! ولا تنس نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اكلفوا من العمل ما تطيقون! فإن الله لا يمل حتى تملوا! وإن أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل!

زودني الله وإياك بقوة العزائم في النفس وفي البدن! آمين.

    فأما المسلك الأول: فهو صيام ثلاثة أيام كل شهر.

 هي الأيام البيض من الأشهر العربية، حيث تكتمل دورة البدر في السماء. وهي : أيام ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر.

فقد قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: صوم الدهر وإفطاره!

وقال أيضاً: صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر: صوم الدهر! وجاء ذلك مفسراً في حديث آخر بتفصيل،

وهو قوله صلى الله عليه وسلم: صيام ثلاثة أيام من كل شهر:صيام الدهر! وهي أيام البيض: صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشر، وخمس عشرة.

وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يلتزمها ورداً تعبدياً. فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صوم أيام البيض في سفر ولا حضر!.



أما المسلك الثاني فهو: صوم الاثنين والخميس من كل إسبوع،

 كليهما أو أحدهما، على حسب قدرتك. فقد ثبت قوله صلى الله عليه وسلم: تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم! وقد تواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتزم ذلك التزاماً! فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم: كان يتحرى صيام الاثنين والخميس! وفي حديث آخر أنه عليه الصلاة والسلام: (كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس! فقيل له؟ [أي سئل عن سبب ذلك] فقال صلى الله عليه وسلم:

الأعمال تعرض كل اثنين وخميس؛ فيغفر لكل مسلم إلا المتهاجرين، فيقول: أخروهما!.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ تبصرة: في براق الأوراد

  • تبصرة : في صوم المقلين السابقين!

    الدكتور / فريد الأنصاري

        فإن لم تستطع التزام ورد من المسلكين المذكورين؛ لعلة تتعلق بالبدن، أو بطبيعة العمل المهني؛ فلك عوض

    25/03/2018 537
  • القرآن هو متن رسالة الله

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة : القرآن إذن؛ هو متن رسالة الله.. يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته

    10/12/2018 313
  • تبصرة : في مسلك الذكر القرآن

    الدكتور / فريد الأنصاري

    القرآن العظيم رأس الذكر، ومفتاح الذكر، وتاج الذكر. بل القرآن هو الذكر ! قال سبحانه {وإن يكاد الذين كفروا

    14/03/2018 770