بيان ما للناس فى دخول الشر فى القضاء الإلهي من الطرق والأصول التى تفرعت عنها هذه الطرق

فريق عمل الموقع

 

 بيان ما للناس فى دخول الشر فى القضاء الإلهي من الطرق والأصول التى تفرعت عنها هذه الطرق.

وللناس طرق فى دخول الشر فى القضاء الإلهى فنذكرها ونذكر أصولهم التى تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك. فنقول: للناس قولان: أحدهما قول أهل الإسلام وأَتباع المرسلين كلهم إِن الله سبحانه فعال لما يريد يفعل باختياره وقدرته ومشيئته، فما شاءَ كان وما لم يشأْ لم يكن، وهو الذى يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه: "فاعلاً بالاختيار".

 

وللفريق الثانى قول من نفى ذلك، وقال: صدر العلم عنه تعالى صدوراً ذاتياً كصدور النور عن الشمس والحرارة عن النار والتبريد عن الماء، ويسمى المتكلمون هذا "الإيجاب الذاتى". ومصدره موجبات الذات، وهذا قول الفلاسفة المشّائين وهو الذى يذكره ابن الخطيب وغيره عن الفلاسفة، ولا يحكى عنهم غيره، وإنما هو قول المشائين، وقرّبه متأَخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى الإِسلام بعض التقريب، مع مباينته لما جاءت به الرسل، ولما دل عليه صريح العقل والفطرة.

والفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأَسرها خير محض من جميع الوجوه وكمال صرف، ووجود الشر فى العالم مشهود، والخير لا يصدر عنه إلا خير. ولا جرم اختلفت طرقهم فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإِلهى وتنوعت إلى أَربعة طرق:

الطريق الأول: طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب، فإنهم سدوا على أنفسهم هذا الباب وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة تفعل لأجلها، ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة، ولا غاية لها تفعل، بل كل مقدور يحسن منه فعله، ولا حقيقة عندهم للقبيح لولا المستحيل لذاته الذى لا يوصف بالقدرة عليه. وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة وإِن أَقروا بلفظ لا حقيقة له، وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذومين وهم يتقلبون فى بلائهم فقول: أَرحم الراحمين يفعل مثل هذا، يعنى أنه ليس فى الحقيقة رحمة، وإنما هو محض مشيته وصرف إرادة مجردة عن الحكمة والرحمة. وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثانى: وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية، وقالوا: لا يفعل شيئاً إلا لحكمة وغاية مطلوبة، ولكن حجروا عليه سبحانه فى ذلك، وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم وظنوا أن ما يحسن من خلقه يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه، فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق، ولهذا كانوا "مشبهة الأفعال" كما أن من شبهة بخلقه فى صفاته فهو "مشبه الصفات" فاقتسموا التشبيه نصفين: هؤلاء فى أفعاله، وإخوانهم فى صفاته. وقالوا: إِنه تعالى لو خصّ بعض عبيده عن بعض بإِعطائه توفيقاً وقدرة وإرادة ولم يعطها لآخر لكان ظلماً للذى منعه. وقالوا: لو شاءَ من عباده أَفعال المعاصى لكان ينزه عنه كما فى المشاهد ولو شاءَ منهم الكفر والفسوق والعصيان ثم عذبهم عليه لكان ظلماً فى المشاهد أَيضاً، فإن السيد إذا أراد من عبده شيء ففعل ما أراد سيده، فإِنه إذا عذبه عده الناس ظالماً له، وجعلوا العدل فى حقه تعالى من جنس العدل فى حق عباده، والظلم الذى تنزه عنه كالظلم الذى يتنزهون عنه، وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم وما يقبح منه من جنس ما يقبح منهم. وقالوا: لو أَراد الشر لكان شريراً كما فى المشاهد، فإن مريد الشر شرير. وقالوا: لو ختم على قلوب أَعدائه وأسماعهم وحال بينهم وبين قلوبهم وأَضلهم عن الإِيمان وجعل على أَبصارهم غشاوة وجعل من بين أَيديهم سداً ومن خلفهم سداً ثم عذبهم لكان ظالماً لهم، لأَن أَحدنا لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه لكان ظالماً له. فهؤلاء المشبهة حقاً فى الأفعال، فعدلهم تشبيه وتوحيدهم تعطيل، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل. وهؤلاء قسموا الشر الواقع فى العالم إلى قسمين: أحدهما: "شرور هى أفعال العباد" وما تولد منها، فهذه لا تدخل عندهم فى القضاءِ الإلهى تنزيهاً للرب عن نسبتها إليه، ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ولا تكوينه.

 

 

 

والثانى: "الشرور التى لا تتعلق بأفعال العباد" كالسموم والأمراض وأنواع الآلام، وكإبليس وجنوده وغير ذلك من شرور المخلوقات كإيلام الأأطفال وذبح الحيوان، فهذا النوع هو الذى كدَّر على القدرية أُصولهم وشوش عليهم قواعدهم وقالوا: ذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة العاجلة والآجلة. قالوا: أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافى قالوا: وذلك يجرى مجرى استئجار أَجير فى فعل شاق فإِنه بفرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثاً بالأُجرة عن كونه ظلماً، فكان حسناً. قالوا: فإن قيل إذا كان الله قادراً على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم فأى حاجة إلى توسطه؟ وأيضاً فإذا حسن الألم لأجل العوض فهل يحسن منا أن يؤلم أحدنا [غيره] بغير إذنه لعوض يصل إليه؟ فالجواب أن الله سبحانه لا يُمرض ولا يُؤلِم إلا من يعلم من حاله أَنه لو أَطلعه على الأَعواض التى تصل إليه لرضى بالأَلم ولرغب فيه لوفور الأعواض وعظمها، وليس كذلك فى شاهد استئجار الأَجير من غير اختياره، قالوا: وليس كذلك إِيلام أَحدنا لغيره لأَجل التعويض، فإِن من قطع يد غيره أَو رجله لعوضه عنها لم يحسن ذلك منه، لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل، وليس من العقلاءِ من يختار ملك الدنيا مع ذلك، والله يوصل الأعواض فى الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيءٍ خلقاً وأَتمه أَعضاءً، فلذلك افترق الشاهد والغائب فى هذا، قالوا: فإن فرضتموه فى ضرب وجلد مع سلامة الأعضاءِ قبح لأَنه عيب، فإِن فرض فيه مصلحة ورضى المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن فى العقل لا محالة.

قالوا: وسر الأَمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلماً لأنه نفع موقوف على مضرة الألم، وباعتبار كونه لطفاً فى الدين يخرج عن كونه عبثاً.

 

قالوا: وقد رأينا فى المشاهد حسن الألم للنفع، فإنه يحسن فى المشاهد ًإيلام أنفسنا وإتعابها فى طلب العلوم والأرباح التى لا نصل إليها إلا على جنس من التعب والمشقة، قالوا: وهذا الوجه هو الذى حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم فإنه إيلام لنفع، فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام، وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك، وإيلام الحيوان لنفع الآدمى به غير قبيح، قالوا: وأما الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن فى المشاهد ولكنه غير متحقق فى الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها، ولكن لا بد فى إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهى ما يحصل لهم من العوض فى الآخرة. قالوا: ويجب إعادتها لاستيفاءِ ذلك الحق الذى لها وهو العوض على الآلام التى حصلت لها

 

قالوا: وبقاؤها بعد الإِعادة موقوف ونعيم الأَطفال والمجانين دائم. واختلفوا فى البهائم فقال بعضهم: يدوم عوضهم، وقال آخرون بانقطاعه فإنهم يصيرون تراباً.

 

 

قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلاً وتحسن إعادتها، وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد؟ فيه قولان لهم مبنيان على أصل اختلفوا فيه وهو أنه هل يحسن منه سبحانه التفضل بمثل العوض ابتداً؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداً عندهم وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين العامل وغيره وصار من ينتمى إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع، فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض ممكن غير ممتنع، فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض الصيمرى جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد، ومن جوز التفضل بأَمثال الأَعواض لم تحسن عنده الآلام بمجرد التعويض، بل قالوا: إِنما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما: أَحدهما التزام التعويض، والثانى: اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها أَلطافاً فى زجر غاو من غوايته إذا شاهدها فى غيره. وذهب عباد الصيمرى منهم إلى أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته، ورد عليه جماهير القدَرية ذلك، قالوا: والآلام التى يفعلها سبحانه إِما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإما للتعويض، وإما للمصلحة الراجحة.

 

 

قالوا: وما يفعله فى الآخرة منها فكله للاستحقاق، وما يفعله فى الدنيا فللعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة، وأَما ما شرعه من أسباب الأَلم فعقوبات محضة.

وأما مشايخ القوم فقالوا: إنما يحسن منه سبحانه الإيلام لأنه المنعم بالصحة والحياة، ولأنه فى حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها إذا شاء ولأنه قادر على التعويض عالم بقدره، وليس كذلك الواحد من الخلق. قالوا: فإذا استرجع عارية الصحة والحياة خلفها الألم ولا بد.

 

وأطالوا الكلام فى الآلام وأسبابها، وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أى وجه يقع؟ وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالأسئلة والمضايقات وألجأوهم إلى مضايق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأضحكوا العقلاء منهم بإبداءِ تنماقضهم، وألزموهم إلزامات لا بد من التزامها أو ترك المذهب. وسأل أبو الحسن الأشعرى أبا على الجبائى عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيراً، وبلغ الآخر فاختار الإسلام، وبلغ الآخر فاختار الكفر، فاجتمعوا عند رب العالمين، فرفع درجة البالغ المسلم فقال أخوه الصغير: يا رب، ارفع درجتى حتى أبلغ منزلة أخى، فقال: إنك لا تستحق، إن أخاك بلغ فعمل أعمالاً استحق بها تلك الدرجة، فقال: يا رب، فهلا أحييتنى حتى أبلغ فأعمال عمله"، فقال: كانت تلك لمصلحة تقتضى اخترامك قبل البلوغ، لأنى علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر، فكانت المصلحة فى قبضك صغراً.

 

قال: فصاح الثالث بين أطباق النار وقال: يا رب، لم لم تمتنى صغيراً؟ فما جواب هذا أيها الشيخ؟ فلم يرد إليه جواباً. قالوا: وإذا علم سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه لا يكون إلا كافراً مفسداً فى الأرض، فأى مصلحة لهذا العبد فى إيجاده؟ قالوا: وأى مصلحة لإبليس وذريته الكفار فى إيجادهم؟ فإن قلتم: عرضهم للثواب، قيل لكم: كيف يعرضهم لأمر قد يعلم أنهم لا يفعلونه ولا يقع منهم البتة؟ ومن هنا أَنكر غلاتهم العلم القديم، وكفّرهم السلف على ذلك، ومن أقرَّ به منهم فإقراره به مبطل لمذهبه وأصله فى وجوب مراعاة الصلاح والأصلح.

 

 

 

وهذا معنى قول السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن جحدوه كفروا، وإن أقروا به خُصموا. قالوا: وأما حدث العوض على الآلام فالرب سبحانه قادر على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام، قالوا: وهذا بخلاف المستأْجر فإن له منفعة وحاجة فى توسط تعب الأَجير واستيفاءِ منفعته، فأما من تعالى عن الانتفاع بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة فلا يعقل فى حقه ذلك. قالوا: وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات فذلك إنما يحسن فى الشاهد لحصول التشفى من الجناة وإطفاءِ نار الغيظ والغضب بالاتتقام منهم، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به، وقياس الغائب على الشاهد فى ذلك ممتنع. قالوا: وأما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره فيكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد، فلا ريب أن الصبى إذا شاهد المعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتباراً له، ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب، أو حيب لا ينتفع المضروب، ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقاً للضرب، فأَين استحقاق الأَطفال والبهائم؟ قالوا: وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضاً ويضر بعضهم بعضاً- مع قدرته على منع المؤلم المضر- أى مصلحة لمن مكن من ذلك وأُقدر عليه، وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأَن يحال بينه وبين القدرة على الأَداءِ وصون العباد؟ قالوا: فهذه الشريعة التى وضعتموها لرب العباد، وأوجبتم عليه ما أوجبتم، وحرمتم عليه ما حرمتم وجحدتم عليه فى تصرفه فى ملكه بغير ما أصلتم وفرعتم بعقولكم وآرائكم، تشبيهاً له وتمثيلاً بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح، مع أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان فإنكم لم تطردوها، بل أنتم متناقضون فيها غاية التناقض، خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة، فلا للتشبيه والتمثيل طردتم، ولا بالتعويض قلتم، ولا على حقيقة الحكمة والحمد وقفتم، بل أَثبتم له نوع حكمة لا تقوم به ولا ترجع إليه بل هى قائمة بالخلق فقط، وقد حتم بها فى تمام ملكه، كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها، بل جعلوا حمده وحكمته اقتران أفعاله بما اقترنت به من المصالح عادة ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط، فقدحوا بذلك فى تمام حمده.

 

 

وقام حزب الله وحب رسوله وأنصار الحق بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير حق القيام وراعوا هذه الكلمة حق رعايتها علماً ومعرفة وبصيرة، ولم يلقوا الحرب بين حمده وملكه بل أثبتوا له الملك التام الذى لا يخرج عنه شيء من الموجودات أَعيانها وأفعالها، والحمد التام الذى وسع كل معلوم وشمل كل مقدور، وقالوا: إن له فى كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأَمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها، كما يثنى عليه ويحمد لأَسمائه الحسنى ولصفاته العليا، فهو المحمود على ذلك كله أَتم حمد وأكمله، لما اشتملت عليه صفاته من الكمال وأَسماؤه من الحسن وأفعاله من الحكم والغايات والمقتضية لحمده المطابقة لحكمته الموافقة لمحابه، فإنه سبحانه كامل الذات كامل الأسماءِ والصفات لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد يترتب عليه من محابه ما فعل لأجله، وهذا أمر ذهب عن طائفتى الجبرية والدهرية وحال بينهم وبينه أُصول فاسدة أصلوها وقواعد باطلة أسسوها، من تعطيل بعض صفات كماله كم عطل الفريقان حقيقة محبته: عند الجبرية مشيئته وإرادته، ومحبة العباد له إرادتهم لما يخلقه من النعيم فى دار الثوب، فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته.

 

 

وحقيقة محبته وكراهته عند القدرية: أمره ونهيه، ومحبة العباد له محبتهم لثوابه المنفصل. وأصَّل الفريقان أنه لا تقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأَجلها ثم اختلفوا فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلاً. وتكايست القدرية بعض التكايس فقالت: فعل لغاية وحكمة لا ترجع إِليه ولا تقوم به ولا يعود إليه منها وصف.

 

 

وأصَّل الفريقان أيضاً أنه لا يقوم بذاته فعل البتة، بل فعله عين مفعوله، فعطلوا أَفعاله القائمة به وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التى لا تقوم به، فلم يقم به عندهم فعل البتة. كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة تقوم به وإن تناقضوا، وكما عطلت "السينائية" أَتباع ابن سينا ذاته فلم يثبتوا له ذاتاً زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة، وأَصلت الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحاً بالنسبة إليه، بل كل مقدور ممكن فهو جائز عليه، وإن علم عدم فعله فبالسمع وإلا فالعقل يقضى بجوازه عليه فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دل عليه بالسمع فيكون تنزيهه عنه لا لقبحه فى نفسه بل لأن وقوعه يتضمن الخلق فى خبره وخبر رسوله ووقع الأمر على خلاف علمه ومشيئته، فهذا حقيقة التنزيه عند القوم.

 

 

وأَصلت القدَرية أن ما يحسن من عباده يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه، مع تناقضهم فى ذلك غاية التناقض. فاقتضت هذه الأُصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعاً ولوازم كثيرة، منها مخالف لصريح العقل ولسليم الفطرة كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله، فجعل أرباب هذه القواعد والأُصول قواعدهم وأُصولهم محكمة، وما جاءَ به الرسول متشابهاً، ثم أَصلوا أصلاً فى رد هذا المتشابه إلِى المحكم وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية بزعمهم من الظواهر الشرعية أحد أَمرين: إما يخرجها على ما يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة والألغاز المعقدة ووحشى اللغات والمعانى المهجورة التى لا يعرف أحد من العرب عبر عنها بهذه العبارة ولا تحتملها لغة القوم البتة، وإنما هى محامل أنشئوها هم ثم قالوا: نحمل اللفظ عليها، فأنشؤوا محامل من تلقاءِ أنفسهم وحكموا على الله  أو رسله بإرادتها بكلامه، فأنشؤا منكراً وقالوا زوراً.

فإذا ضاق عليهم المجال وغلبتهم النصوص وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها وعدم فهم العقلاءِ سواها ومجيئها على طريقة واحدة وتنوع الأَلفاظ الدالة على الحقيقة واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك مما يقطع كل سامع بأن المراد حقيقتها وما دلت عليه، قالوا: الواجب ردها وأن لا يشتغل بها، وإن أحسنوا العبارة والظن قالوا: الواجب تفويضها وإن نكل علمها إلى الله من غير أن يحصل لنا بها هدى أَو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته، أو ننتفع بها فى باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه عنه، بل نجرى ألفاظها على ألسنتنا ولا نعتقد حقيقتها لمخالفتها للقواطع العقلية، فسموا أُصولهم الفاسدة وشبههم الباطلة- التى هى كبيت العنكبوت، وكما قال فيها القائل شعراً:

 

شبه تهافتُ كالزجاج تخالها   حقا وكل كاسر مكسور

 

قواطع عقلية، مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها ومناقضتها لصريح المعقول وصحيح المنقول، فسموا كلام الله ورسوله: "ظواهر سمعية" إزالة لحرمته من القلوب ومنعاً للتعلق به والتمسك بحقيقته فى باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته، فعبروا عن كلامهم بأنه "قواطع عقلية" فيظن الجاهل بحقيقته أنه إذا خالفه فقد خالف صريح المعقول، وخرج عن حد العقلاءِ، وخالف القاطع، وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه "ظواهر" فلا جناح على من صرفه عن ظاهره وكذب بحقيقته واعتقد بطلان الحقيقة بل هذا عندهم هو الواجب، وقد أَشهد اللهُ سبحانه عبادَه الذين أُوتوا العلم والإِيمان أَن الأَمر بعكس ما قالوه، وأَن كلامه وكلام رسوله هو الشفاءُ والعصمة والنور الهادى والعلم المطابق لعلومه، وأنه هو المشتمل على القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية، وأَن كلام هؤلاءِ المتهوكين الحيارى المتضمن خلاف ما أَخبره به عن نفسه وأَخبر به عن رسوله هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة، وأَنه كالسراب الذى يحسبه الظمآن ماءً حتى إِذا جاءَه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، وهؤلاء هم أَهل العلم حقاً الذين شهد الله سبحانه لهم به فقال [تعالى]: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ  الْحقَّ وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6]، ومن سواه من الصم والبكم [الذى] قال الله فيهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا [كنا] فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]، وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أنما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ} [الرعد: 19]، وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة لا بمجرد الخبر، بل جاء إخبار الرب [تعالى] وإخبار رسوله مطابقاً لما فى فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة فتضافر على إِيمانهم به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة والعقل الصريح فكانوا هم العقلاء حقاً وعقولهم هى المعيار، فمن خالفها فقد خالف صريح المعقول والقواطع العقلية، ومن أراد معرفة هذا فليقرأ كتاب شيخنا وهو "بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح" فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير فى بابه، فإِنه هدم فيه قواعد أَهل الباطل من أُسها فخرت عليهم سقوفه من فوقهم، وشيد فيه قواعد أَهل السنة والحديث وأحكمها ورفع [أعلامها وقررها بمجامع الطرق التى تقرر بها الحق] من العقل والنقل والفطرة والاعتبار فجاءَ كتاباً لا يستغنى من نصح [نفسه من أهل العلم عنه فجزاه الله عز وجل عن أهل العلم والإيمان] أفضل الجزاء، وجزى العلم والإيمان عنه [كذلك].

 

 

 عدنا إلى إتمام الكلام فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى، وبيان طرق الناس فى ذلك، واختلافهم فى إِيلام الأَطفال والبهائم. وقالت "البكرية" وهم أتباع بكر ابن أُخت عبد الواحد بن زيد البصرى: إِن البهائم والأَطفال لا تأْلم البتة، والذى حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة، ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفى ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأَعواض وما فرّعوه عليه ولم يمكنهم القول بمذهب "التناسخية" القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع فى الحيوانات التى تناسبها فينالها من أَلم الضرب والعذاب بحسبها، ولا بمذاهب "المجوس" من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه، ولا بقول من يقول: إن البهائم مكلفة مأْمورة منهية مثابة معاقبة، وأن فى كل أُمة منها رسول ونبى منها، وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاءٌ على مخالفتها لرسولها ونبيها، فلم يجدوا بداً من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها.

 

 

وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة، وأَن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضرورى. وقال من  أنصف القوم: لا سبيل إلى نسبة هؤلاءِ إِلى جحد الضرورة مع كثرتهم، ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاءُ، فإن العاقل إذا أدرك تأَلم جوارحه وأَحس به تأْلم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته فى ذلك وفى الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له، وهذه الآلام زائدة على مجرد أَلم الطبيعة، ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز، فإن أَراد القوم هذا فهم مصيبون، وإن أرادوا أنه لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة، فإن الواحد منا يعلم باضطرار أَنه كان يتألم فى طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك.

 

وقالت طائفة: كل ما يتأَلم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله، ولا فعل الله فيه الأَلم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم فى أَفعال الحيوان أَنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته، لكن هذا أَشد فساداً من ذلك، فإِن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإِرادته فلا بد لها من محدث، إِذ وجود حادث محال والله خالقها بأسبابها المفضية إِليها، فخالق السبب خالق للمسبب. فإن أراد هؤلاءِ نفى فعلها عن الله مباشرة من غير توسط بسبب أَصلاً فهذا قد يكون حقاً، وإِن أَرادوا أَنها غير منسوبة إِلى قدرته ومشيئته البتة فباطل. وذهبت طائفة إِلى أن فى كل نوع من أَنواع الحيوانات أَنبياءَ ورسلاً، وأَنها مستحقة للثواب والعقاب، وأَن ما ينزل بها من الآلام فجزاءٌ لها وعقوبات على معاصيها ومخالفتها واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلا طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38]، وقال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمّهِ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].

 

وقالت طائفة من التناسخية: إن الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ثم أَمرهم ونهاهم، فمن عصى منهم نسخ روحه فى جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإِبل والبقر والبراغيث والقمل، فما سلط على هذه البهائم من الآلام فهو للأَرواح الآدمية التى أَودعت هذه الأَجساد فمن كان منهم زانياً أَو زانية كوفيء بأَن جعل فى بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال، ومن كان منهم عفيفاً عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفيء بأَن جعل فى بدن تيس أَو عصفور أَو ديك. ومن كان منهم جباراً عنيداً كوفيء بأَن جعل فى بدن قملة أَو قرادة ونحوهما، إِلى أَن يقتص منهم ثم يردون، فمن عصى منهم بعد ردّه كرر أَيضاً عليه ذلك التناسخ هكذا أبداً حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أَبداً فينتقل إلى الجنة من وقته.

 

وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإِسلام رجل يقال له أَحمد بن حائط طرد أُصول القدرية وشريعتهم التى شرعوها لله فأَوجبوا بها عليه وحرموا. وذهب المجوس إِلى أَن هذه الآلام والشرور من الإِله الشرير المظلم فلا تضاف إِلى الإِله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته، ولهذا كان أَشبه أهل البدع بهم القدرية النفاة. وقالت الزنادقة والدهرية: كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها، وليس لذلك فاعل مختار مدبر بمشيئته وقدرته، ولا بد فى النار من إِحراق ونفع وفى الماءِ من إِغراق ونفع، وليس وراءَ ذلك شيء، فهذه مذاهب أَهل الأَرضِ فى هذا المقام.

 

 

ولما انتهى أَبو عيسى الوراق إِلى حيث انتهت إِليه أَرباب المقالات فطاش عقله ولم يتسع لحكمة إِيلام الحيوان وذبحه صنف كتاباً سماه النوح على البهائم، فأَقام عليها المآتم وناح، وباح بالزندقة الصراح. وممن كان على هذا المذهب أَعمى البصر والبصيرة كلب معرّة النعمان المكنى بأبى العلاءِ المعرى، فإِنه امتنع من أَكل الحيوان زعم لظلمه بالإِيلام والذبح، وأَما ابن خطيب الرى فإِنه سلك فى ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين وهذبها ونقحها واعترف فى آخرها بأَنه لا سبيل إِلى الخلاص من [المطالبات] التى أَوردها على نفسه إلا بالتزام أَنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد والاختيار، فأَقر على نفسه بالعجز عن أَجوبة تلك المطالبات إِلا بإِنكار قدرة الله ومشيئته وفعله الاختيارى، وذلك جحد لربوبيته، فزعم أَنه لا يمكنه تقرير حكمته إلا بجحد ربوبيته، ونحن نذكر كلامه بأَلفاظه. وقال فى "مباحثه المشرقية":

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ بيان ما للناس فى دخول الشر فى القضاء الإلهي من الطرق والأصول التى تفرعت عنها هذه الطرق